الأسبوع العربي –8/تشرين الثاني/1999
ايفانا مارشليان
حوار
"حول عمله الأخير "الحياة حلوة"، على خشبة مسرح "مونو"
ميشال جبر المسكون بالقلق:
...هكذا لا يذهب الميت وحيدًا

تحملنا أجواء "الحياة حلوة" على مدى مئة دقيقة من العرض المسرحي الأخير لميشال جبر، اعدادًا حرًا واخراجًا منضبطًا، على نص الكاتب الروسي نيقولاي اردمان، إلى ما يشبه الانفعال حتى كل مستوياته بأجواء الحروب الداخلية والتمزقات النفسية لصورة المجتمع وناسه، والتضخم القمعي لبطش السلطة وارتجاج صلات الانسان بنفسه وبالآخرين. هذا إلى تزيينه بالمشهدية الطقوسية المتراكمة اللوحات، وكأنها كاريكاتورية لتداخل النظرة الساخرة إلى الأشياء وبعناصر المبالغات في روايتها وأدائها وتغليفها بالمؤثرات الصوتية الخارجية والبصرية والطربية، مدفوعة إلى أسلبة متطرفة ويطل ميشال جبر في هذا العمل ايضًا، مسكونًا بهواجس التعبير عن قلق الانسان المعاصر، الخائف والمضطرب والمسحوق، من خلال شخصية جميل المدعوس الذي ستقوده الوجوه المقربة والاقنعة إلى حتفه الأخير وسط جوّ احتفالي انشادي مؤثر، رغم كون النص المحكي غير بعيد كليا عن النبرة الواقعية مع ميل صريح من قبل المخرج إلى إيلاء الصدارة للعناصر البصرية على بقية التفاصيل لذلك يرتكز جبر في "الحياة حلوة" على العناصر الاخراجية التي تتطلب قراءة من العين، فتستوقفنا الأقنعة، وهي كالوجوه الأخرى للممثلين، يغنيها بإشارات اوسع منها واكثر تعبيرًا ربما مما تقوله. كما يتوسل أجساد ممثليه واصواتهم كما لتقوية النكهة الهذيانية في بعض مشاهد العرض او لمضاعفة المعنى التعبيري للمعنى الآخر. ندخل حياتنا اليومية كمن يدخل في مفرمة، ليس هناك من مرجعية لغوية او حضارية واحدة تجمع بيننا. كأن "الحياة حلوة" إعادة طرح لمعنى المسرح من مخرج امتهن التمثيل واللعب والإخراج واعداد الممثلين بامتياز، فشاهدناه وألفناه في أعمال لوّنتها التساؤلات المقلقة والصعبة للإنسان/القلب المحكوم بالآلة، بالجزمة العسكرية، تبطش، تسدّ الأفق، تقفل باب السماء في وجه الآدمي، فتحيل المدينة/أي مدينة في هذا العالم إلى صحراء وكفن ومقبرة. وجميل المدعوس، كما قدّمه لنا ميشال جبر، المنتحر – الحيّ، وحوله بقية الشخصيات، يؤلفون مجتمعًا متكاملاً يجتمع فيه القاتل والضحية والزوجة (ثم الارملة فالنادبة والمولولة) وامها، والراقصة، والجارة العشيقة والفيلسوف (ممثل الانتلجنسيا) والعقائدي (الماركسي على شي تاني) والسمسار الخ... وكلها صور كوميدية مأساوية ململمة من بقايا عيشنا اليومي تنتهي إلى النكتة السوداء، ومن ثم إلى خلط المعاني، فالعودة إلى النقطة الصفر فالبداية. سؤال : لبننت نصًا اجنبيًا وحاولت نوعًا من الاسقاط المجتمعي على الواقع اللبناني من خلال جميل المسحوق، خذلته الحياة وخيّبه المقربون. وفكرة الموت التي راودته تراجع عنها في لحظة وعي فيها مجانية هذا الحدث الذي تقول انه سيجري في لا مكان ما من هذا الشرق العظيم. كيف كوّنت هذه الشخصية؟ جواب : شخصية جميل المدعوس استوحيتها من نص هو وليد النظام الستاليني ووُجّه أصلاً لمن شكلوا نوعًا من "البارازيت" على الثورة. فنرى ان الرجل الذي قامت عليه الثورة، مدعوس، كلها أسباب دفعت بالكاتب اردمان في العام 1938 إلى تأليف هذا النص، الذي عاش بعده إقامة جبرية ثم منع عن الكتابة حتى العام 1967. كذلك المخرج ماير خولد، فقد اعتبر هذا النص الذي قدمه على المسرح، من احدى الحيثيات الأساسية للقرار الظني بإعدامه. أعدتُ كتابة هذا النص بتصرّف حرّ، لا بل أكثر من حرّ، إذا أعدتُ كتابته مستعيرًا منه فقط الحبكة مسقطًا لشخصيات ومبدعًا لأخرى، وانما حافظت على روحية التعبير الخاص لأردمان في لعبه على الكلام وتحميلها لأكثر من معنى. حافظت إذا على هذا المنحى في معالجة النص الذي بدأت صياغته في العام 1991 في باريس، فوجدتُ تشابهًا في انسان النص الأصلي وانساننا وقد كنّا خارجين من حالة احباط قصوى. يومها لفتني هذا النص بالذات وشعرتُ أنه جاهز لأن يعبر عن واقع انساني صعب كنّا نعايشه وللأسف لا نزال نعاني منه. ويبقى السؤال الأساسي بعد عشرين سنة حربًا وتنازعًا: من نحن؟ أين تكمن مرجعيتنا؟ في ذاتنا؟ في حضارتنا؟ كل جزء منا يعتبر مرحلة من تاريخه مرجعًا حضاريًا له. هناك مرجعية واحدة تفرض علينا فرضًا وهي مرجعية الطوائف. حتى واقعنا السياسي والاجتماعي والثقافي ننظر اليه من عين طائفية. من زاوية التأويل والتفسير  سؤال : والغلبة لأي تركيبة؟ هي التركيبة عينها، تقصد. الأقنعة عينها وعلى الأرض تنتقد سلطة الطوائف فهل ما ينبئ بمجتمع مدني؟ جواب : الكل مقتنع بضرورة الوصول إلى مجتمع مدني، لكن عند التنفيذ تتبدل الأمور وتطرح معادلات أخرى على حساب الانسان العادي الذي يدفع الثمن وحده. هذا ان لم نأخذ بعين الاعتبار التركيبات المجتمعية المتناقضة. فثمة عناصر تعيش حالات من الانفصام عن ثقافتها وحضارتها وناس مجتمعها. شباب اليوم لا يتقنون سوى فتات من لغات الآخرين ولا يتقنون لغتهم، أو لغة واحدة على الأقل  سؤال : ولمن الغلبة برأيك وأي مكان قد يهيا لجميل والى متى سيبقى مدعوسًا؟ هل انت متفائل من الواقع الراهن؟ جواب : ندخل حياتنا اليومية كمن يدخل في "مفرمة". كيف ولماذا؟ هناك ضياع في الانتماء. ليس هناك من مرجعية واحدة. لغوية او حضارية. ويصعب تشبيه جيل اليوم بالأجيال السابقة. فثمة تغييرات جذرية أبرزها سقوط القضايا الكبرى وانصراف الانسان العادي المهمش في أي بقعة من هذا العالم إلى مواجهة تحديات العصر الجديدة والفاتكة بشعوب مغلوبة على أمرها على حساب شعوب أخرى. حاليًا، مجتمع السوق هو السائد. ولو عدنا إلى الوراء لوجدنا الانسان السوفياتي أكثر صلابة مما هو عليه الآن، أي بعد انهيار النظام. لقد انصرف المجتمع إلى اللهو المجاني والتسويق، لكني اعتقد أن هذا الجيل المشتت اليوم، لا يزال قادرًا بعد على تخطي أزمته استنادًا إلى فكر الأجداد وصلابتهم وعنادهم في بناء دولة كبرى مبنية على الفكر والعلم معًا. لكن المشكلة بالنسبة الينا مطروحة منذ البداية ولدي شعور غامض بأننا نمرّ كلنا بتجربة "المفرمة" ودرجة الدعس متفاوتة، لكنها تمارس بشكل او بآخر على الجميع. لم نعد نملك أي مناعة حضارية صلبة نستمدها من استمرارية ما في تاريخنا الحضاري سؤال عن الحرية:عندما درست في روسيا، أيام النظام الشيوعي، كان سؤال الحرية الأكثر الحاحًا. اليوم، بعد سقوط الشيوعية لا نظنّن أن الروسي نال حريته. والامثلة في العالم كثيرة: الحرية الأقل ننالها من مخلفات الحروب والثورات. الكل يتوق إلى الحروب والثورات. الكل يتوق إلى الحرية، ولعلها باتت ابعد عنا من القمر والمريخ وسائر الكواكب... جواب :  التجربة الرائدة في مجال الحريات قد نجدها في أوروبا. الاعتراف بالآخر، متمايزًا عنا أم متشابهًا بنا. خلافاتنا يجب ألا تصل إلى حد الصدام العنفي والتقاتل إلى حد التفكير بإلغاء الآخر، انسانيًا أو معنويًا. الحرية تقتضي الا اتحول إلى انسان محتكر لصلاحيات في يدي لأبطش بالآخرين. هناك ضوابط للحرية فلا استفيد من فسحات الحرية للانقضاض عليها. من هنا، ضرورة حماية الحرية احيانًا لترسيخها لا لقمعها سؤال : جميل "المدعوس" شخصيتك الأخيرة على المسرح قبل العام 2000، جعلته يُقتل هو الذي وجد في الموت منفذًا ما وخلاصًا...  جواب : كان يفكر بالموت كطريق للخلاص  سؤال :هكذا ترى انسان آخر القرن؟ جواب : هو رمز. هو وطن. هو انسان في حال نزاع مع ذاته، مع وطنه ومع الآخرين. هو مدعو إلى الموت في كل لحظة من لحظات حياته. حتى لا يملك خيار موته ولا حياته. وبعد التفكير العميق بالموت استفاق من هول الفكرة ليتساءل: ولماذا انهي حياتي؟ موتي من سيفيد؟ سيرسّخ الدجالين ويقضي على أية فرصة للخلاص  ...ومشت المحدلة  سؤال : لماذا أماته الآخرون؟ هل للرقص على جثة لا بد من ايجادها في النهاية؟ جواب : قبروه لان القطار سار بمن ركب: "مشت المحدلة"، نقول عندنا. المحدلة تحدل الناس، تعلّبهم في القطار وتسمعين: "سيروا ولا تنظروا خلفكم... هذه هي طريقكم". والذي لا يسير مصيره الصندوق الأخير. فكيف يمكن ان تقولي لا؟ سؤال : انتظرناك في دور جميل المدعوس رغم أن الممثل أجاد دوره تمامًا. فمتى ستطل ممثلاً على المسرح؟ جواب : أنا في صدد الاعداد لنص "المقعد" اقتبسته عن الروسية. يتناول حكاية انسان فاشل، يقضي وقته في الركض خلف النساء. يلتقي امرأة كان التقاها سابقًا، لكنه نسيها لوفرة مغامراته. يتعرف اليها من جديد فتخبره انه في ذات ليلة وعدها بالزواج ثم تراجع عن وعده لصالح مغامرات مع نساء اخريات. أحببت هذا الدور، وقد احضّر له للعام المقبل سؤال : إن عدنا إلى عملك "الحياة حلوة". نسألك: كيف تكون حلوة على لسان من سيموت في النهاية؟ أي تأويل اردت تحميل هذا العنوان؟ جواب : وكم كنتُ قلقًا من مشهد الموت الأخير. لكني أظن أن الموت يمكن أن يكون حلوًا وفكرته موجودة من دون أن تكون صادمة بالضرورة. حوّلت خزانة الملابس إلى صندوق للميت. الخزانة التي تضم عادة أغراض الراحلين، فلمَ لا يرحلون بها فيصبحوا جزءًا من اغراضهم التي هي هم في النهاية. هكذا، على الأقل، لا يذهب الميت وحيدًا... "الحياة حلوة... بس" لا شيء يستحق كل هذا الألم. ثمن الحياة باهظ وكل منا يدفع الذي يقدر له  فكرة الموت سؤال : هل هذا هو رأيك الخاص بعيدًا عن المسرح، في مسرحك فكرة الموت دائمًا موجودة؟ جواب : لستُ من المتشائمين، لكن رغم تفاصيل حياتنا الحلوة باكتشافاتها ولقاءاتها وجديدها وأسفارها وتناقضاتها ومشاكلها، لا أنسى ان اطلب من الله دائمًا: يا رب لا تجعلني يومًا طعمًا للآخرين. أعطني أن أقف بعد كل زلّة. أن أتخطّى المصاعب. أعطني الا أسحق. أعطني قوة المواجهة والأمل لكي استمر في الحياة  سؤال :ألهذا الحدّ تخاف من الفشل؟  جواب : إن فشلتُ، وكلنا يفشل، أطلب القوة لكي أقوم من جديد  سؤال : ما الذي يدفع بإنسان ما إلى تمني الموت؟  جواب : الإهانة  سؤال : وما أكثر ما يهين الانسان؟ جواب : حين تصبح استمرارية وجوده من عطاءات الآخرين. حين يتحول الانسان إلى شحّاذ. ولاحظي ان فكرة الموت موجودة دائمًا في خلفية الاعمال كافة التي قدمتها منذ "حديقة الحيوانات" إلى "هذيان ع خط النار"، إلى "في عرض البحر" و"منزل برناردا البا" و"المهاجر" و"هي... في غياب الحب والموت"... الانسان دائم الضياع بين أمل بحياة حلوة وبديل عن هذا الامل الضائع سؤال : الممثلون معك لافتون، والمعروف أنك كنت في أساس اعداد ممثلين برزوا وأضحوا نجومًا في المسرح والتلفزيون. هل الدفعة الجامعية الجديدة التي قدمتها لنا من خلال هذا العمل تعد بمواهب واعدة وكيف كان العمل معها؟ جواب : التعاطي مع الطلاب كان رائعًا لا سيما وأننا لقينا دعم وزارة الثقافة والتعليم العالي وايضًا دعم الجامعة التي قدمت لنا خشبة "مسرح مونو". "الحياة حلوة" من الاعمال التي استحقت جهدًا من قبل طلاب اطلوا على الجمهور منذ سنتيهم الأولى والثانية كمحترفين ...ميشال جبر ومجموع ممثليه وهم: عماد الفغالي، السي خوري، ريتا شرّو، جوزف غانم، كريستيان اسمر، دافيد لطيف، ناتاشا أشقر، فراس الحاضر، طوني كموش، شربل الفغالي، طارق باشا، لميا مرعي، شربل عون، باسكال فخري... من معهد الفنون الجميلة ومعهد الدراسات المسرحية والسمعية – المرئية جامعة القديس يوسف، غنوا لعبوا رقصوا فاتحين لنا أبواب المتعة المسرحية أمام جمهور الليلة الأولى الذي بدا متواطئًا، خصوصًا مع جميل (قد يكون أي واحد منا) وفي آن متعطشًا إلى اللقاء مجددًا بالمسرح.  بطاقة تستمر عروض "الحياة حلوة" حتى 30 تشرين الثاني (نوفمبر) على خشبة مسرح مونو/الجامعة اليسوعية. - السينوغرافيا: الديكور : تصميم رندلا البعلبكي فياض. تنفيذ : رفيق الأشقر. الملابس : كريستيان اسمر – ماريا غانم. الأقنعة : تصميم وليد دكروب. تنفيذ : مشغل مسرح الدمى اللبناني. الدمى : ليا سكر. اضاءة : فريديريك افرام – جورج كرباج. الصوت : فريديريك افرام. إدارة مسرح: هاغوب درغوغسيان. إدارة انتاج : اماني أبو علوان. الموسيقى : د. افرام البعلبكي. تلحين : اميل فؤاد عواد. توزيع : نادين عواد – اميل عواد. حاورته : ايفانا مرشليان


You can also change the title listed above and add new articles as well. Edit your Articles from the Pages tab by clicking the edit button. This is a generic article you can use for adding article content / subjects on your website.
You can edit all of this text and replace it with anything you have to say in your news/topic article. You can also change the title listed above and add new articles as well.
Edit your Articles from the Pages tab by clicking the edit button. This is a generic article you can use for adding article content / subjects on your website.

You can edit all of this text and replace it with anything you have to say in your news/topic article. You can also change the title listed above and add new articles as well. Edit your Articles from the Pages tab by clicking the edit button. This is a generic article you can use for adding article content / subjects on your website. You can edit all of this text and replace it with anything you have to say in your news/topic article. You can also change the title listed above and add new articles as well. Edit your Articles from the Pages tab by clicking the edit button. This is a generic article you can use for adding article content / subjects on your website.

You can edit all of this text and replace it with anything you have to say in your news/topic article. You can also change the title listed above and add new articles as well. Edit your Articles from the Pages tab by clicking the edit button.