النهار – نزيه خاطر – 30/تشرين الأول/1999

"الحياة حلوة" لميشال جبر على مسرح مونو
عرض أنيق حيويّ والكوميديا على حافة المأساة

النهار – نزيه خاطر – 30/تشرين الأول/1999 "الحياة حلوة" لميشال جبر على مسرح مونوعرض أنيق حيويّ والكوميديا على حافة المأساة 

  •  

          تأتي أعمال لتفرض فنانا إلى أبعد مما كان يميزه حتى لحظة حصولها. وخرجت من "الحياة حلوة" لميشال جبر، إعدادًا واخراجًا، كأني تعرفت مجددًا إلى مسرحي لم يخطر لي مرة أني سأراه بعد كل ما تفرجت عليه من عروض، من "برناردا البا" لفريديريكو غارسيا لوركا في مسرح بيروت (1995) إلى "هي... في غياب الحب والموت" في مسرح مونو (1998)، على هذه الصورة التي لم تفاجئ العين بطابع الفرجة اللذيذة المنسابة من دون توقف أمامي فحسب، ولكنها تحت غطاء كأنه للتمويه من سخرية أصابت الوضع الحياتي العام للبنانيين، انطلقت في حركة تشبه الفوران إلى كل جهات القول الدرامي والفعل الهزلي، حتى كاد يبدو محتواها عشوائيًا لولا الروح الفكاهي الملون بكمية عريضة من الأجواء الدرامية التي جذبت جمهور ليلة الخميس في مسرح مونو إلى انزلاق مستمر نحو ضحك يقهقه على حذر.          ليست مسرحية "الحياة حلوة" كوميديا هنيئة، أي للتسلية المجانية، والضحك الذي يرافقها، وان تسببت به نكات كالتي توجد عادة في أعمال مسرح القوالين، لا يختصر جو الهزل المتحكم في مفاصل دورانها، والذي لا يترك أداة قد ينتج منها اضحاكا من دون ان يستغلها، من النكتة المباشرة والأداء المنفوخ والقناع المشبوه، إلى النكزات المروّسة التي تحرّض على واقع بلدي مهترئ، والتمثيل المركز على ايماء فرقص فإشارات مؤسلبة بحيث يتم ابراز العيوب الاجتماعية كاريكاتوريا والهزء، كصدى، والاستعانة في ذكاء ميداني يحمل ركائز اكاديمية واضحة بنماذج عريضة من تقنيات الكوميديا من التي أصولها شعبية، كالكوميديا ديل أرتي وجمهور الأقنعة والدمى المتألفة معها، إلى الأصناف العليا لهذا المسرح المركز على الملامح البشرية المضخمة والمصالح الاجتماعية المتعاكسة والعلاقات الأخلاقية المتنافرة.          وعرض ميشال جبر للفرجة أولا، ففي دورانه على أكثر من مئة دقيقة من دون استراحة تراكم ماتع على مستوى الإخراج طبعًا، لنوع من المشاهد المخصب بروح تشكيلي كأنه مستمر من رغبة في بناء المنصة على إيقاع لوني متحرك، ومن ثم بنبض تتصاعد سرعته كأنها ستضيع توازنها هنا أو ستفقد حجمها فعمقها هناك، غير انها براعة في تركيز عناصرها على نحو مغر تحافظ المنصة على حيوية بصرية اذ تتحدد صورتها في سرعة دوران الممثلين في حركة دخول وخروج تحدث نشوة في العين وفضولا تجاه تقنيات تجتذب الناس كأنها جديدة فيما هي قديمة قدم المسرح. والعرض، رغم عجقة فيه تهدره هنا وهناك بالوقوع في الفوضى، تترك فوضاه اثرا إيجابيا حين تدور ضمن اللعبة المنظمة.          "معتر" جميل المدعوس الذي يعيش وسط قوم يطالبونه دوما من دون بدل، زوجته وامرأة عمه وجاره فاتك الذي يصل إلى تحصيل الكوميسيون من الذين يعدهم بضمان انتحار جميل لحسابهم. اذ فيما يحلم جميل المدعوس بالعزف على البوق، وبأنه سيجني ثروة من عزفه، يتآمر الجميع، القريبون والبعيدون، أي جميع القوى المتحركة في البلد، الوطنية، الماركسية، الصناعية، التجارية، الثقافية، الإعلامية، الصالونية، لدفعه إلى انتحار قد يفيد أوضاعهم وذلك بعد أن يكون قد فكر، للحظة خاطفة وفي لحظة يأس، في الانتحار بإطلاق رصاصة على نفسه. وهي قوى من دون لون، تحيا كأنها تحت ألف قناع وقناع، وتقول ما لا تفعل، وان كانت تدفع بجميل المدعوس إلى انتحار يفيدها، فهي تتراجع مرتعبة حين يواجهها بمسدس فيه رصاص.          وتدور قصة انتحار جميل المدعوس على الكلام والغناء والرقص والعراضات التي تضم الناس العاديين، والآخرين المختبئين وراء وجوههم، وانما كذلك اشباه الدمى. وهي لذلك قصة تنزلق، عن غير قصد، إلى التشكل بين رغبة في اغراء العين وميل إلى امتاع الاذن. ومثل قرار اتخذه ميشال جبر، لإمرار خطابه في طراوة أكثر، وقوامه ادخال محطات تسلية تخفف من تراكم الكلام. جرى توزيعها بين الوصلات الغنائية الفردية كما الجماعية (أغنيات لافرام البعلبكي كلاما، ولإميل فؤاد عواد الحانا)، وأداء للممثلين، والوصلات الراقصة التي برعت فيها في شكل خاص كل من ناتاشا أشقر وايمان مزهر. والقصة ظاهرها الروائي بسيط لكون ابطالها من ناس العيش اليومي، ولكون المجريات التي تحكيها تبدو ململمة مما يقال أو يوشوش أو يوحيه ايماء في الزوايا المجتمعية للمدينة. ومن هنا ربما الوجه الصدامي لعرض يبدو بريئا بينما يحمل في بواطن هزئه جرح وطن في أكمله.          والعرض معقود في ملامحه العلنية على الكوميديا ديل آرتي، رغم استعانة مخرجه في أماكن لا تحصى لوفرتها بالتقنيات السائدة تقليدًا في أعمال الكوميديا. ويتشدد ميشال جبر في ابراز نياته كأنه يؤكد انحيازه في "الحياة حلوة" إلى تضخيم كاريكاتوري يصيب تركيب شخصياته أولاً، والمقنعة منها خصوصًا، أي سقراط (دافيد لطيف) ممثل الانتلجنسيا، وصادق (فراس الحاضر) الماركسي "على شي تاني"، ونصري (طوني طحوش)، ممثل الصناعة والتجارة، وفاضل عنو (شربل الفغالي)، ممثل الصحافة، والرجل المحترم لكل الطوائف (طارق باشا)، يضاف اليهم أداء شربل عون وفؤاد ارسانيوس، لينتقل هذا التصور الكاريكاتوري المؤسلب للشخصيات إلى تخصيب مبالغ فيه لأداء الممثلين رغبة في الرفع من محتواه الهزلي، ومن ثم في تقوية الزخم النقدي، انما في شكل يعبر بسلام في اذن رقيب بدأ يصبح مزعجًا للحريات.          وقال ميشال جبر في ظلال صراحة قصوى تزيّت في ذكاء ببراءة الكلام الساذج لشخصيات تبدو كأنها كاريكاتورية فيما هي مقطوفة فعلًا من ركائز مجتمعنا. ولم يمنع لسانه عن التفوّه بما يجب حيث يجب، ومن فوق إلى تحت، ومن فوق الفوق حتى الجرأة  والى تحت التحت حتى المسكنة. ووراء اختيار اسم بطله المسمى جميل المدعوس (أداء عماد الغالي) نية جلية في الإشارة المباشرة شبه البدائية إلى الناس الذين يؤلفون دومًا "الضحية". والى حد بعيد إلى ناس كأنهم يساهمون من حيث لا يريدون في سقوطهم ضحايا لأقوياء يتاجرون بالمقدسات والمحرمات، يستبيحون رزق الناس ودماءهم  والعرض كله يتوازن بين الكلام المباشر عن بلد مهترئ والايحاءات برموز شبه فاجرة إلى وطن لم يعد يحمي أهله ويدفع بأهله الطيبين أمثال جميل إلى التساؤل بعد أيام صعبة "مين انا؟ شو أنا؟" – يقول قبل أن يطبق عليه الجميع  وزوجته معهم ليقضوا عليه بعدما رفض نهائيًا الانتحار "صندقوه" يقولون.          وحلى العمل على ممثلين جدد، ما عدا ناتاشا أشقر من فرقة عبد الحليم كركلا سابقًا – وأتمه ميشال جبر الذي بدأ يبرز كمخرج يصقل العاملين تحت ادارته. ولطلاب جامعيين في السنتين الأولى والثانية في الجامعتين اللبنانية واليسوعية، بدوا في "الحياة حلوة" كأنهم محترفون أو على خطوة من أن يقنعوا جمهورهم في ليلة الخميس بأنهم كذلك.  وبينهم كما عماد الفغالي (دور جميل)، أو فراس الحاضر (صادق)، أو دافيد لطيف (سقراط) أو شربل عون (حفيظ المحشش) أو طارق الباشا (رجل كل الطوائف)، من وهب شخصيته الغلاف الإنساني الحار والذي اقنع الحضور بأنه كائن حي يعيش قبل أن يمثل وحاضر في قصة مشغولة لتتهم بلدًا وقومًا، كمن يقف على حافة الهاوية. وأداء قوي للنساء اذ لأدوارهن زخم أكثر تعقيدًا مما في أدوار الرجال المنفوخة كاريكاتوريا مما يسهل ابراز المحتوى لمجرد ابراز الملامح المضخمة. والبعض من ذلك يرافق أداء ناتاشا أشقر ولميا مرعي المعقود شكلاً على مضمون هزلي فاقع يبرر إلى بعيد الأداء الساخر الهزلي الضخم الذي قامتا به بامتياز.          واشارة خاصة هنا إلى ناتاشا أشقر التي نجحت في براعة واضحة، ومن طريق جمعها بين الرقص الكاريكاتوري والاداء المؤسلب المنفوخ، في ابداع شخصية وهمية لعاشقة وهمية تشعر بحاجة إلى من ينتحر لأجلها كي تكتسب شهرة أكبر في البلد. والأكثر بساطة طبيعية في الاداء إلسي خوري في دور وفاء، زوجة جميل، والتي رغم انثويتها وحب لزوجها ورغباتها في العيش السهل تنزلق إلى غواية الانضمام إلى جوقة المطالبين بصندقة (نعش) زوجها جميل.          أنيق وملوّن وحيوي عرض "الحياة حلوة" لميشال جبر الذي يؤكد على نحو مباشر اختزانه قدرات مسرحية تحمل المفاجآت، وفي مسرح مونو حيث تعرفنا اليه قبل بضعة أشهر فنانًا دراميًا على حافة المأساة، تكتشفه اليوم في المسرح عينه مخرجًا لكوميديا غير السائدة في المدينة، مروّسة لتكاد تحرج من دون أن تتنازل عن كونها هزلية حتى القهقهة. نزيه خاطر  

  • "الحياة حلوة"، اعداد ميشال جبر واخراجه.
  • الديكور رندلا البعلبكي فياض. 
  • الملابس كريستيان اسمر وماريا غانم. 
  •  الأقنعة وليد دكروب.
  •  اضاءة فريديريك افرام وجورج كرباج. 
  • الأغنيات كلمات افرام البعلبكي – الحان اميل فؤاد عواد – توزيع نادين واميل عواد.
  • الدمى: ليا سكر.