افتتحت عروض مسرحية "الحياة حلوة" لميشال جبر على خشبة مسرح مونو. وهي تستمر حتى آخر تشرين الثاني 1999. يوميًا الثامنة والنصف مساءً. ما عدا أيام الاثنين. تمثيل عماد الفغالي، السي الخوري، ريتا شرو، جوزيف غانم، كريستيان اسمر، دافيد لطيف، ناتاشا انطونيللو اشقر (راقصة في فرقة كركلا ودربت على الرقص) فراس الحاضر، طوني كحوش، شربل الفغالي، طارق باشا، لميا مرعي، شربل عون، باسكال فغالي. الديكور من تصميم رندلا البعلبكي فياض. الأقنعة: تصميم وليد دكروب. تنفيذ مشغل مسرح الدمى اللبناني. الدمى: ليا سكر. اضاءة: فريدريك افرام. كلمات الأغنيات: د. افرام البستاني. تلحين: اميل فؤاد عواد. هنا مقالة. انها أنضج مسرحيات ميشال جبر. "الحياة حلوة" احدى أجمل مسرحيات هذا العام. لعلها تعاني من مشاكل ايقاعية بسيطة، ولكنها في آن تمازج بين سمات عديدة في مصوغ واحد، الملحمية والتقنية البيرونديلية وتكنيكات التغريب وبعض لمحات من الواقعية السوفياتية. حكاية هذه المسرحية مأخوذة عن مسرحية للكاتب السوفياتي نيقولاي اردمان. عرضها أدى إلى إغلاق مسرح ماير خولد وتوقيفه واعدامه أيام الحكم الستاليني. لذا بدأت المسرحية بمناخات الواقعية السوفياتية، قبل أن تتدرج بروح فريسكية لكي تصل إلى حد رسم مشهد عام لأوضاع لبنان في نبرة هجائية واضحة. ولكنها من شدة مباشرتها في أحيان، تبدو وكأنها ترمز في الكلام المباشر أكثر مما تريد ان تقول. واحسب ان هذا قاد الموضوعة إلى مسحة تجريدية لونت قلب المسرحية، بعنصر إضافي. بيد ان التجريد في "الحياة حلوة" ليس تجريدا كما هو التجريد، بل جزء من لعبة اسلبة لعبها ميشال جبر، كمن يرمي صولده فوق طاولة قمار ملونة. تبدأ "الحياة حلوة" بلحظة يريد فيها الزوج جميل المدعوس من زوجته ممارسة الحب. إلا ان رد فعلها اجبره على اخذ الرغبة هذه وتحويلها إلى طلب اكل مستغرب. وإذ ترفض الزوجة يغضب الزوج ويترك فراش الزوجية. هنا تحسب الزوجة ان زوجها انما ذهب لكي ينتحر. وهي لحظة تبنى الدراما المطلقة عليها، حيث تتكاثر الشخصيات الماضية في أثر الزوج وهي تحمسه على الانتحار شارحة فوائد ذلك على الحياة العامة. وحين يرفض الزوج في واحدة من اللحظات الاستثنائية في المسرحية، يطبق الجمع على الزوج ويدفنونه وهو حي. لأن البلاد بحاجة إلى شهيد يحرك حياتها السياسية السديمية. ولان الأوضاع الهامة اعيد بناء أسسها على ضوء حادثة الانتحار التي لم تحصل الا لحظة تحولها إلى لحظة اغتيال. "الحياة حلوة" تفضح الدجل والنفاق السياسيين لدى الطبقة السياسية والثقافية في لبنان. انها تدين المنطق العام، في لغة جارفة لن تبدو جارفة في أول المسرحية التي تبدأ بالتداعي البسيط على الذي يرسم العلاقة بين الزوجين. إلا أننا سرعان ما نقع على لهجة حية وحيوية وعلى منصة متغيرة متقلبة ولكنها تقود إلى موضوع واحد. هو موضوع لبنان والتآكل السياسي والاجتماعي فيه. لن تتأخر شخصية من الشخصيات الرئيسية عن لعب دورها المرسوم في "الحياة حلوة"، في تقنية تسمح بتعمير المسرح على عيون المشاهدين. تقنية بناء مسرح على المسرح أو بناء منصات متلونة، فوق منصة واحدة تكون الدراما وطرق الإداء الدرامية. وهو تكنيك يخلق الانطباع الأول الذي يتحقق على طول مدة عرض المسرحية: رسم لوحة بيانية للأوضاع اللبنانية ووضع الشخصيات في مساحة اللعب المفترضة. وهي مساحة ضاجة بالأشكال. أولا الكوميديا الإيطالية الشعبية او الكوميديا ديلا آرتي، التي برزت في اداءات الممثلين أصحاب الأقنعة كلها في ارسالات واشارات وكودات صحيحة وظيفية وغير تزينية ابدًا. الكوميديا ديلا آرتي خط واضح وصريح في "الحياة حلوة". كما هي الواقعية غير الجامدة. لأنها تأخذ من الكوميديا وتعطيها. هكذا تضحي واقعية سحرية. لا اريد ان استعمل كلمة واقعية ساحرة لكي لا ابدو مبالغا ولو ان الهارمونيا التشكيلية تنزع بالمسرحية كلها إلى واقعية ساحرة في تناوب الاشكال المسرحية الأخرى عليها. كالكوميديا الإيطالية الشعبية وتقنية الأداء البيرونديللي في طريق ملحمي، يلعب فيه التغريب دورا لافتا. أقنعة استعمال القناع على وجوه المحامي (جوزيف غانم) وسقراط علاء الدين النباع – ممثل الانتلجنسيا (دافيد لطيف) وصادق الماركسي على شي تاني (فراس الحاضر) ونصري ممثل الصناعة والتجارة (طوني كحوش) وفاضل عنو ممثل الصحافة (شربل الفغالي) والرجل المحترم لكل الطوائف (طارق باشا)، ان استعمال القناع على وجوه هؤلاء محضهم ابعادا محسوبة في توظيف الجسد كناطق اول. انهم في ادوارهم المقنعة أصحاب اداءات تشكيلية بلاستيكية راهنت على قوة الجسد وقواه التعبيرية على الصعيد الدرامي والايحائي. أجسادهم ذات قدرة شفافية، بعيدا من العنصر التعليمي في الكوميديا ديلا آرتي. أجسادهم هي لغتهم قبل ان يشكل النطق جزءا من لغة قامت في تداخل مجموعة من العناصر والتفاصيل الدقيقة والحساسة. الحرية في أجسادهم وليس من محضهم مساحات حرية في اللعبة المسرحية الهاجية والهاذية على حد سواء. غير ان العمل على القناع، وهو عملية فنية تثقيفية مؤسسة، لا يزال بحاجة بعد إلى اقتران اللعب بالقناع والجسد كالصوت والنطق في اللعبة المسرحية الكلية. اشير هنا، إلى تفاوت بسيط بين الأداء العالي النوعية للأجساد وبين الأداء المتفاوت في الصوت. وهو تفاوت يحتاج إلى تمرين صغير لكي لا أقول تنبيها، لكي تستقيم اللعبة في خط عمودي في سوية واحدة. وخصوصا وان أداء مرتدي الأقنعة، يميل إلى تفريغ الصوت من الشحنة العاطفية فيه، بحيث يبدو حياديا ومتآمرا في آن. وهذه لعبة بقدر ما هي جميلة وعميقة بقدر ما هي خطرة. كان على مرتدي الأقنعة الذين يلعبون أدوارا في غاية الأهمية والصعوبة، طلب الاعتبار الشديد لتكنيك الصوت بحيث لا يظهر أقل قوة من الجسد. ليست هذه حال الممثلين الآخرين تماما. ذلك أن البقية التي تلعب ادوارًا سافرة إذا ما جاز التعبير، تمتلك أصواتا تعوزها فقط تلوينات بسيطة، تعمق معاني الجمل المنطوقة في مناسبات قليلة. الكل في رتبته اللازمة هنا، من عماد الفغالي (جميل المدعوس) إلى إلسي الخوري (امرأة جميل) وريتا شرو (امرأة عمه) وكريستيان اسمر (تمينة عشيقة فاتك) وناتاشا انطونيللو أشقر (امرأة جميلة من ستات البلد مغرومة بأحدهم) وشربل عون (حفيظ – خادم في مطعم) وباسكال فخري (الست كيكي – خياطة). مجموعتان تقودان لعبة مسرحية، رقصاً وأداء وغناء وارتجالا (لعلها سمة يجب ان تعزز. وهي برزت قليلا مع الرجل المحترم لكل الطوائف). مجموعتان واحدة مدنية – لنقل – والأخرى ترتدي اقنعة. بل ان اقنعتها هي وجوهها الحقيقية، تملأ خشبة المسرح بحركة دينامية مضخمة مقصودة. ذلك ان الكوميديا ديلا آرتي تحتوي على روح الغروتسك (التضخيم) الموجود كعنصر في المسرحية وخصوصا في مشاهد او العاب التغريب. كالأغنية وكشف الاحداث في لعبة محسوبة في مساحة شرطية تامة. واحسب ان الحال الشرطية هنا، هي حال قائمة على منطق متماسك يدور فيه حضور الأصناف، لكي تتداخل في بعضها مشكلة لعبة "بازل" ولعبة "داما" في الوقت نفسه. ميشال جبر سوفياتي التكوين إلا انه في "الحياة حلوة" لا يراوح امام سوفياتيته على صعيد الطروحات الواقعية او البنائية او المستقبلية. انه ماير خولدي في لحظات دفع الشخصيات المقنعة الى سلوك طرق آداء الدمى. وهو بيرندوللي في حركته العابثة الممنطقة، حين تتحول الشخصيات إلى مرايا حقيقية. لن تؤثر الاحداث الفرعية على الموت الرئيسي في المسرحية، لان الاحداث كلها رئيسية. انها تستدعي بعضها. هذا صحيح. ولكن بعضها يعمر نفسه من نفسه فوق خشبة غير هيابة وضاجة بالتلوينات الجسدية والصوتية. سمة أخرى من سمات كثيرة. غياب الوصف واحدة من الميزات الهامة في "الحياة حلوة". وغياب الراوي وغياب التعليق على الاحداث. وهذا ما درج منذ سنوات في الحياة المسرحية في لبنان، من دون حضور مباشر للراوي وللتعليق، اما الاغنية، فان لها أهمية واضحة وأكثر من وظيفة. هي تغريبية الحضور غير انها تضمن حضورها اقوالا من الحياة السياسية بدون افتعال. وهي تعبر عن الحالات الشعورية والانفعالية المسيطرة على بعض الشخصيات. وهو ما نجده على الاغلب في أغنيات المجموعة أكثر مما نجده في الأغنيات الفردية المدهشة في أحيان. كأغنية "المليار". أغنيات تعبر عن خوف دائم من وحش غير ظاهر. انها كالشخصيات، مرايا إضافية. أي مرايا تقابل مرايا الشخصيات في لعبة درامية متكاملة. كما انها تكشف العوالم الداخلية للشخصيات وتكسر دوما حالات الايهام، التي ما ان تبدأ حتى تنتهي عند طرائق اللعب والإخراج. إذا ان الشخصيات تصرح بدون كلل بأنها على وعي كامل من ما يجري، تمثل وتشخص بغرابة وواقعية. من ألف ليلة وليلة كأن "الحياة حلوة" حكاية من حكايات ألف ليلة وليلة. حكايات على قدر من الغرابة ولا داعي للغرابة أمامها. ثم ان الرقص أداء الشخصيات المقنعة، اختزالي، لماح، ذكي وذو دور بالغ الأهمية فوق منصة شبه استعراضية لأنها تميل إلى الاستعراض ولا تقع في شروطه الصارمة. مشهد المظلات جميل جدا على بساطته. في حين ان مشهد الجنازة، وقح وجميل. هذه قوته. مشهد مؤثر، من طبائعه الهمجية. التسلية واردة ولكن "الحياة حلوة" ليست مسرحية تسلية. انها تعرف أكثر مما ينبغي وتقتنع بما تعرفه. لمحة موفقة تقوم بتسجيل لحظات تاريخية لبنانية يكثر فيها السياسيون وتغيب فيها السياسة الحقيقية. سوف يلعب الممثلون هنا أدوار ضباط الإيقاع الذين ينظمون العقل والقول في مسارهما الموحد الشائق في واحدة من المسرحيات المتقدمة على صعيد البحث عن لغة. ذلك ان "الحياة حلوة" ليست مظهرية ابدًا. بل هي مسرحية "خلالية". أي انها تستعمل المظهر للوصول إلى الكوامن والابعاد الخفية في السر اللبناني. سطحها جذاب، ولكنه يفور بالخبرة الاصلية لمخرج بحث دائما عن صورته في مسرحه من "برنارد البا" إلى "المهاجر" إلى "هي في غياب الحب والموت". مسرحية كتبت حواراتها من الشعارات السياسية اللبنانية والعربية اليومية، حيث وضعها جبر في مناخ مجوني هندياني مستهتر، وجعلها تتمحور حول مفردات ومفاهيم تتناقض في ما بينها لتفضح الشخص الذي ينطق بها، فتعيش الجملة بذلك حياتها الخاصة مستقلة عن شخصياتها لتأخذ بعدًا شموليًا، مما يحيلنا مرة أخرى إلى تفريغ الجمل من شحناتها العاطفية لدى الذي يلعبون بالأقنعة. لا شعر هنا ولا رسائل صوفية ولا رمزية تنحو بالمشاهد جانبا لكي يتمكن من حل شفراتها. "الحياة حلوة" كأنها تطرح مقولة ان الحياة كالمسرح وان المسرح كالحياة وان كليهما يجب ان يعاش بعلاقة مفتوحة من الواحد على الأخرى. وهكذا، ليس هذا تفسيرا، والمسرحية لا تفسر، بل واقع. وليس هذا نزوعا إلى التذكر البليغ، بل تسمية الأشياء بأسمائها بدون الوقوع في البلاغة او الفصاحة او ما شابه. ثمة صداقة حقيقة بين المسرحية هذه والحياة في لبنان. ربط او عقدة وصل، بدو الاسراف في العناية بدقة التفاصيل الواقعية او التاريخية الذي يمكن ان يغدو عبثا ومبعث تشتيت. الناظر إلى منصة "الحياة حلوة" يراقب أداء وسينوغرافيا ومواقف ومشاهد، عبر اتصال مباشر بالممثل الذي يلعب ادوارًا في دور. الملابس جميلة في موضوعيتها من خلال دورها على جسد الممثل. بيد ان ملبس الرجل المحترم لكل الطوائف يحتاج إلى عناصر إضافية. وبالأخص، لان الممثل يلعب دور كل رجال الطوائف وليس دور رجل طائفة معينة. وقد يؤخذ على الديكور تجريده القسم الأعلى من عمق المسرح بدون سبب محدد. وان يترك القسم الشمالي منه، للدوران بين غرفة الزوجين والمطارح الأخرى، بدون مسوغات (اعتقد بأن حركة الممثلين يجب ان تسلك المسلك اليسار. وان تترك اليمين لدخول الممثلين من خارج المنصة عند الحاجة). ثم ان الإضاءة ذات أدوار متنوعة، تعبيرية وتظليلية، أي تذويقية، ودور تبقيع يمكن التخفيف منه لصالح المضمون التعبيري اللازم لها. الأقنعة ذات ابعاد تجريدية روحية. اما الأغنيات، فحضورها حضور تكويني. أي انها جزء من لعبة العرض. أما النجاح الأبرز في نجاحات المسرحية، فهو تمليك الممثلين لأدواتهم الفنية، عبر تدريب ميشال جبر في محترفه (محترف الفن المسرحي) لكافة الممثلين على طرق الأداء الحرفية والرقص والغناء والمنطق العام للحضور في عمل مسرحي. معنى إضافي يضاف إلى المعاني المطروحة في "الحياة حلوة" ويعزز أهميتها بوصفها عملا يتخطى صفته الإبداعية لكي يثنيها في صفة تأسيسية على صعيد تكوين الكادرات المسرحية. عبيدو باشا