زهير غانم – 4/تشرين الثاني/1999مسرحية  "الحياة حلوة" إعداد وإخراج: ميشال جبر-حين تنفجر الدراما من خلال الممثلين

زهير غانم – 4/تشرين الثاني/1999 مسرحية "الحياة حلوة" إعداد وإخراج: ميشال جبر - حين تنفجر الدراما من خلال الممثلين 

  •  

        الحياة حلوة، مسرحية درامية تهكمية سوداء، تقدم معطياتها وعناصرها، بكثير من الخفة والرشاقة والشفافية، التي تتواشج وتحتدم من خلال ممثلين هواة يبلغون بأدائهم حد المحترفين، وكان المخرج آثر على نفسه أن يكونوا هكذا هوائيين محومين، محلقين بأدوارهم التي تتضافر وتندمل، تتضامن وتتعاضد، حتى تقدم هذا المناخ المسرحي التظاهري، الذي رغم كثرة كلامه، فإنه يحقق عناصر الفرجة بكامل أبعادها التي يتمرأى بها المخرج والممثلون، والجمهور الذي ينجذب بقوة إلى غواية الخشبة التي تنهمر عليه، حين تمتلئ هذه الخشبة بالديكور والممثلين والحركة، والأضواء والصراع والنكتة، والادعاء والتهريج، واللعب الضاحك على الموت والانتحار ورغم أن المسرحية بعناصرها الفنية، كانت باهظة مثقلة بالخبريات والأفكار والاتجاهات والتيارات، والدلالات والايحاءات، إلا أن المخرج بتوزيع محمولها الثقيل على الممثلين، وبعض الأغاني والجواءات الراقصة، جعلها لطيفة ومعقولة من حيث المشاهدة لتوتر وتواتر المشهديات فيها، رغم أنني قبل أعوام شهدت للمخرج مسرحية مهاجر بريسبان، ولم أستطع الكتابة عنها، لأنه لم يستطع استغلال الفضاء المسرحي والسينوغرافيا التي جودها الفنان غازي قهوجي آنذاك، إلا أنه هنا بالذات وفي مسرحية الحياة حلوة، يتقدم فيها كمخرج متميز لا تشوبه شائبة في تحريك الممثلين، فرادة وثنائيات ومجاميع، إضافة إلى ملء الفضاء المسرحي تمامًا، والإفادة من عناصره، رغم عنصر التوهيم الذي جذب الجمهور إلى سماع القول ربما، أكثر من الانجذاب إلى المشهديات البصرية التي يخلف تأثيرها الكثير من الانسجام مع فعل المسرح وفاعليته التي تستعر كلما زاد احتكاك الممثلين مع بعضهم البعض. ولتوازن عناصر الأنوثة والذكورة على خشبة المسرح، وربما لغلبة الأنوثة، تكون المسرحية مؤنسنة أكثر فأكثر. وتكون تأثيراتها حميمة ومحتدمة، بسبب العذوبة والغوايات والروح التي تبثها الأنوثة في الفضاء المسرحي، وكأن المخرج أتقن اللعبة أيما إتقان، بتوزيع الأدوار على الممثلين. كما أنه واءم بين الحركة والكلام، ومساحة الخشبة، وحتى في الرقص والانتقال والتقاطع. وغير ذلك من الحيثيات التي عبر من خلالها إلينا، فتنافدنا وتناضحنا معها. وكان للحضور المسرحي الفني الذي حققه الممثلون والممثلات، بالغ الأثر، في احتدامنا وتفاعلنا، واحتمالنا لهذه الدراما الحزينة. الاسية الاسبانة، البالغة القسوة والعنف، من حيث الشخصية الإنسانية، ومن حيث الشرط الإنساني المستحيل الذي تعيشه. كذلك تقرر الانتحار بسبب شقاوة العيش، في وطن يقال عنه وطن، إلا أن الحرب، والظروف التي تحكمه الآن، تكاد تجعله مستحيل التحقق والاكتمال، على المثال الذي يجب أن يكون عليه الوطن، أي وطن!        هكذا تتحول الملهاة الحياتية إلى مأساة. وتظل في قالبها الكوميدي وفعلها التهكمي المرير، كما شاءها المخرج حتى يستطيع الجمهور ابتلاع هذه السوداوية المغلقة، ماض أسود ذبيح، وراهن أسود ذبيح، ولا مستقبل عبر ذلك. فهذه الصيرورة التي تتماوج على المسرح، تبلغ ذروة الفعل المسرحي من خلال حدث الاستعداد للانتحار، واستغلال الجميع لهذا الحدث، يمينًا ويسارًا، وطوائف وأديانًا، وداخلًا وخارجًا، وغير ذلك. والمسرحية تفضح من خلال تبلورها على هذا الحدث، مختلف القطاعات السياسية والاجتماعية والثقافية والحزبية والطائفية وحتى الأسرية، وعلاقات الأقارب والأباعد منها، زوج، زوجة، حماة، عشيقات، إلخ ما هنالك. وفي المسرحية يتجلى أيضًا فن التسمية تمامًا، جميل المدعوس، حماته نظيرة، فاتك المحامي، صادق الماركسي الملتبس، نصري ممثل الصناعة والتجارة، فاضل، ثم الرجل سقراط والمحترم. كل هذه التسميات للشخصيات لها دلالاتها واحتمالاتها، وأبعادها السياسية والاجتماعية والنفسية. ثم ان نسوة المسرحية من زوجة جميل، وفاء، إلى امرأة عمه نظيرة، إلى كليوباترا، وسمارة، وتمينة، كلهن مع الرجال في أدوار رئيسية تمامًا، مليئة بالحيوية والحركة، والفن والجمال، وحرية التعامل مع الشخصيات المسندة إليهن، إلا أن تقنيع الرجال له دلالة أيضًا، واستعارة فنية من المسرح اليوناني. ويا ليته استعار بعض الطوالات. وإذا كانت الأقنعة للرجال، فإنها تتكامل مع الدمى للنساء. وهكذا تتضافر العناصر الإنسانية والفنية مع بعضها، دون تنافر أو نشاز، بل العكس من ذلك. إنها هنا تثري العمل المسرحي بالجماليات التي تجعله سيالًا ومنسابًا كالماء والضوء، دون عثرات أو وعورات في سياقه، أو سياق عمل الممثلين..!        صحيح أن المسرحية، مأخوذة عن مسرحية السوفياتي نيقولاي اردمان والتي تسببت بإغلاق مسرح ميرخولد. إلا انها ملبننة بروح مسرحية قوية عند المخرج. جعلها وكأنها مؤلفة من جديد، أو في حالة تناص حقيقي مع الأصل، وكان المخرج عرف ما قاله غورباتشوف من أن العالم سيتلبنن، وهكذا حدث في الاتحاد السوفياتي، إلا أن الأعجوبة اللبنانية حسب المسرحية لا مثيل لها في العالم.        وكثيرة هي التأثرات التي تحتويها المسرحية، على الصعيد الإخراجي، والتمثيلي بين ميرخولد وستانيسلافسكي، كما انها في مسرح السياسة لبيترفايس وبريخت، ومسرح محمد الماغوط ودريد لحام. كل ذلك موجود في مسرحية من مسرح الشوك كما يسمى، إلا أن بصمة المخرج هي الغالبة والمتفوقة، سواء في النص أو الإخراج، أو حتى تحريك الممثلين، لأن خشبة عريضة، طويلة، عميقة، مرتفعة، وذات فضاء شاسع، لا بد لها من مخرج متماكن متزامن مع عمله، حتى يملأ ذلك كله بالحدوثات والتباينات والتواشحات والإحترابات والشجارات والرومانسيات أحيانًا، والعواطف والضحكات، كي يجيء مناخه المسرحي، مخصبًا مرويًا، قائمًا على قدم وساق، وعائمًا في فضائه الكلي ومستغرقًا في فعله المدوي العنيف، كما هو الحال في مسرحية "الحياة حلوة"..!        وهي مسرحية شهادات على سوء الأوضاع التي نعيشها واستحالتها هكذا شاءها المخرج، وهكذا نجح الممثلون في تشخيصها إلى درجة عملهم، كخلية نحل، لكثرتهم، وكانت الحركة ناظمهم. الحرك الدؤوب. حتى حالة النوم متحركة، والجلوس، والوقوف، مما جعل الإيقاع المسرحي مشدودًا متوترًا متينًا، يتقدم، يتعالى، يتنامى. عبر كل مشهد يستلزم ذلك، خاصة في الاتفاق على موعد الانتحار أولًا، وإخلافه، ثم التراجع عنه، لكن أحدًا يقتدي بمن سينتحر، فيذهب الجميع إلى وضع جميل في التابوت وفنه حيًا..!        على أن المخرج ميشال جبر الذي أفاد من المسرح اليوناني على صعيد الأقنعة، وربما الدمى، وهي حديثة قديمة. لم يتوان عن بناء عمله على مثال المسرح الكلاسيكي في وحداته الثلاثة، وحدة المكان ووحدة الزمان، ووحدة الحدث. إلا أنه لم يأخذ ذلك بحذافيره، بل عمد إلى تكثير واستنسال الحدث، كما عمد إلى تحولات المكان، كذلك، فكك الزمان، مع توزع الحدث إلى أحداث. ومن الطبائع الشخصية للمثلين لعب على موضوعاته، ضمن مونولوجات درامية متعاقبة، أو متقاطعة، لكنها ذات علائق ببعضها البعض، منها علائق منطقية مباشرة، ومنها علائق غير مباشرة، ومنها استحداثات سوريالية ولا معقولة أحايين كثيرة. وبذلك تراكبت المسرحية مشهديًا، وأخذ بعضها برقاب بعض، حتى انتهت إلى فعلها الدرامي. الحكم على المنتحر اللامنتحر بالموت حيًا. طالما أنه لا يحيا إلا في هذا الهباء الاجتماعي الطاغي في قسوته، وتخلفه، وعدم اهتمامه بالإنسان!        وتبدأ الأمثولة عندما يذهب جميل إلى الحمام بعد حديثه عن الانتحار، ويغلق الباب عليه، وتبدأ زوجته بالصراخ، والاستعانة بجارهم المحامي الذي توفيت زوجته، فيما تكون عنده عشيقته. ويبدأ سوء التفاهم بينهما الزوجة وعشيقة المحامي على الكلام الذي هو من أساسيات بناء المسرحية. ويأتي المحامي على الصراخ، فيلتقط حدث تفكير جميل بالانتحار، ويبدأ باستغلاله وتشييعه، سواء بتلوين الانتحار على الصعيد العاطفي، كليوباترا والانتحار بسببها وبسبب غيرها، في مشهديات قوية، وجذابة، ثم على الصعيدين الاجتماعي والسياسي. ثم على الصعيد الثقافي، حيث رموز وأقنعة هذه الاتجاهات جاهزة للتفاعل مع الحدث، كل من وجهة مصلحته الشخصية وما يمثل، وهنا تبدأ المسرحية بتعرية وكشف الجميع بعلائقهم، وتجاذباتهم، وتنابذاتهم، إلى درجة تدفع جميل بالاقتناع بفكرة الانتحار، والموافقة عليه، وعلى تحديد موعده.        ورغم أن جميل حادي الموت، ويحسب كم سيكسب فيما لو عمل بواقًا في الجنازات، إلا أن العمل لا يستقيم له. فيبقى عاطلًا، وهنا يحدث لديه التباس الزوجة التي تعمل والسلطة التي تملكها عليه كعاطل عن العمل، ويريد أن تكون السلطة له. وهي فكرة نسوية ما زالت إشكالاتها قائمة حتى الآن بعد مشاركة المرأة في العمل. ثم تفردها بالعمل داخل الأسرة مرات، مما يدفع إلى تفجير الأسرة بأشكال مختلفة. وكثيرة هي الحيثيات التي يمكن رصدها في المسرحية. إلا أن الفعل المسرحي لا يتحقق من خلالها قدر ما يتحقق من فنيته وراهنيته الواقعية، وصيرورته معًا..!        على العموم تبدو مسرحية "الحياة حلوة" خطابًا تهكميًا في عمق الواقع، وكوميديا سوداء، مبنية على فعل درامي حقيقي له أصداؤه ومراياه في المجتمع الذي نعيش. ولذلك نجحت في محادثتنا، ومحادثة هذا الواقع، وفي حرثنا وحرثه معًا. وفي انفتاح بصرنا، وبصائرنا على ما نحن فيه، وعلى ما يمكن أن نؤول إليه، وهي صرخة تحذيرية لانسداد أفق الحياة، وموت القضايا، واغتيال الأحلام. وهل يمكن للإنسان أن يعيش دون أحلام. فلنسأل دون كيشوت، وميشال جبر، والمسرحية برمتها، أو بفضها وفضيضها. ومع ذلك مع المرارة التي دون حدود. ومع ذلك فإن مسرحية الحياة حلوة هي مسرحية داخل الحياة. ولكن أي حياة..!        زهير غانم

.