04 Mar
04Mar

عندما تتصارع الاهواء في الذات الإنسانية، وتأخذ وجوها متنوعة يحييها الحب وينضبها الموت وتتجه وجهة أخرى، تغرقنا الحياة في فلسفتها ثم تدخلنا إلى ذواتنا، وتتركنا نتجاذب مع هذه الاهواء في المتخيل والواقع، وما اقساها وامتعها حالة اذا تجسدت على خشبة مسرح، فتشد اليها أوتار القلب وانسجة الجسد مع كارول سماحة وجو قديح، فسياسة المخرج ميشال جبر على خشبة مسرح "مونو" الذي افتتح جبر قاعته المعدة للعروض التجريبية بهذا العرض وهو عرض ذو خاصية تتبين مميزاتها من خلال: 

  • بنية النص المسرحي
  • بنية الأداء التمثيلي والاخراجي
  • البنية الجمالية
  • الرؤية الفنية

 بنية النص المسرحي         يخرج هذا النص عن مألوفية القصة وبنيتها، وهو ينتمي إلى النص الذي يعرض الحالات الإنسانية ويصورها ادق تصوير، ويتجسد هذا النص في المسرح بانحيازه إلى نوع المسرح الحميمي Théâtre Intime التي تعني حسب (المعجم المسرحي، ص 430)، ما هو حميمي وشخصي. وقد اطلقت هذه التسمية في البداية على شكل من اشكال العمارة المسرحية، التي تتسع الصالة فيها لعدد قليل من المتفرجين مما يخلق علاقة حميمة بينهم وبين العرض، ولكن طابعها الحميمي كان وراء شيوع التسمية التي انزاح مدلولها من شكل المكان إلى مضمون الاعمال التي تقدم فيه. ويقارب هذا النوع من المسرح الدراما البسيكولوجية، وهي تدور بين عدد قليل من الشخصيات في أماكن مغلقة. ولها طابع ذاتي وحميمي، ثم تبوح لأن البوح هو العنصر الأساسي فيها، وغالبًا ما تكون مستمدة من حياة الكاتب الخاصة، وقد انطلق ميشال جبر في بنية نصه من ترجمة لنص المسرحي الروسي أدوارد رازتوسكي ولم يجد من الضروري تعديل بعض المشاهد والمواقف والحالات التي تشكل بنية النص الأصلي. لان الحالات والمواقف هي إنسانية تطبق على كل الناس في كل الأمكنة والأزمنة. ولكي يفجر هذه الحالات، اعتمد جبر في عرضه صيغة المونولوج. وعبرت من خلاله كارول عما في داخلها. وعن صراعاتها الوجدانية وتمزقها امام اتخاذ قرار ما. وفي هذه الصيغة، استخدم حوارا مع شخصية غائبة اتخذها ذريعة للتمكن من القول والبوح، وقد تم الحوار عبر الهاتف/ الذريعة التي تكشف فيما بعد ان الخط مقطوع، والحوار مونولوغ وخضع هذا النص لمواصفات المونولوغ وشروطه وتنجلي في حيرة الشخصية/ كارول وعجزها عن اتخاذ قرار مصيري، تحب وتحاول ان تنسى وتخوض تجربة عاطفية أخرى، لكنها تفشل، ثم تسعى لاستعادة هذه العلاقة التي بلغت حدا ميؤوسا منه، فتعرض لنا حالات الفرح والحزن والحب واليأس والرغبة في الموت، والأمل المنكسر عند مشجب/ الموت على اثر فقدان الطفل المجهض/ الذي يرمز إلى اجهاض الامل في استمرارية العلاقة، انها حالات إنسانية تشمل البشر جميعا وتعرض لكل مستويات هذه الحياة الاقتصادية والمعيشية والعاطفية ثم العلاقة مع الآخر، وقد جسد هذه الحالات كل مرة كارول سماحة وجو قديح. بنية الأداء التمثيلي والإخراجي         يعتمد هذا العرض على أداء شخصيتين، ولكن احداهما احتلت حيزا اكبر من الأداء، فكانت هذه الشخصية المرأة / كارول تختال على خشبة المسرح وتنفر في اللعب على فراغات كل فضائها، فتملؤها حركة تنبعث من عمق الشخصية / الممثلة، من عمق احاسيسها وانفعالاتها وهذياناتها، فتتلقفها انفاسنا وتقولها حواراتنا، انها تجسد كل تصوراتنا ومخيلتنا على خشبة عادية الا من حركة كارول وصوتها وغنائها وبكائها.         لم يعتمد المخرج ميشال جبر على حركة خارجية في ادارته لهذه الممثلة، وارتأى لهذا العرض افراغ شحنة الممثلة عبر مونولوغ لغايات درامية لأنه لا يمكن أن يكون معبرا عن عزلة الشخصية وعدم تواصلها مع الآخرين، وقد استخدمه جبر كتقنية تسمح بإظهار البعد الفلسفي لعزلة الانسان وذلك بخلق شخصيات تسكن في المتخيل وتتحاور معها: كارول وصديقتها، كارول وزوجها، كارول وحبيبها، وتنوعت الحوارات التي قالها العرض، وذلك بتداعي الذكريات الحلوة والمرة، وفي كل حالة استطاعت كارول أن تجترح التعبير من الوجه، والصوت، والحركة، وقد تمكن جبر من تفجير هذه الطاقات التعبيرية الكامنة في دواخل كارول، الممثلة الموهوبة التي منيت بموهبة الصوت، والحضور الجاذب على خشبة المسرح، وبغنائها الذي ادته بصدق وشفافية بصوت معبر، وبدون أي مجهود عضلي وخارجي، لا سيما عندما غنت داليدا والاغنية الغجرية الروسية، كما اعتمد جبر في ادارته للممثلة على قاعدة التعبير ولكنها قساوة انطلقت من الداخل لتمتصها حركة كارول الخارجية في سياق جعلها قساوة خلت من المبالغة او الشحنة المفتعلة، وخلت أيضا من الميكانيكية التي ترهق الممثل والمشاهد معا، كما ساهمت في صياغة الموقف المسرحي وتجسيد الحالات بأداء حركي موجع، يكثر فيه البوح. بوح للرغبة في الموت، وفي الحياة، وفي الحب، وصاغتها بليونة حركية ملفتة، لا سيما لدى تحاورها في الجزء الأخير من العرض مع الشخصية الأخرى وهذه المرة المتجسدة على الخشبة بوجود جو قديح، الذي تمكن عبر هذا الحيز الضيق الذي اداه تمثيليا على الخشبة، من التعبير عن علاقته بالمرأة / الحبيبة، بصدق.  البنية الجمالية         ينتمي هذا العرض كما سبق وذكرنا إلى نوع المسرح الحميمي الذي ترتبط تسميته بشكل العمارة المسرحية التي تقارب مسرح الحجرة، وقد جسدت هذه العمارة في صالة تضم الممثلين والمتفرجين على مسافة ضيقة تقربهم بعضهم من بعض وبشكل حميمي، وقد وظف ميشال جبر الحيز المكاني بجمالية تنم عن ذكاء، إذ انه ارتأى افتتاح هذه الصالة من مسرح "مونو" (الجامعة اليسوعية) وهي صالة مهيأة لهذه الأنواع من العروض التجريبية التي تختبر التجربة في علاقتها مع الجمهور، وهو في هذه العروض جمهور نخبوي، نموذجي عدديا، ومستعد لتقبل هكذا أنواع عروض مسرحية تجريبية، وقد كانت في هذا العرض تجربة اعتمدت العلاقة مع الممثل، كما يقتضي هذا العرض نوعا خاصا من الحيز المكاني الذي يمكنه ان يكسر الجمود والسكون الذي تقيمه العروض التقليدية بين العرض (الممثل) والمشاهد، وبهذا لم يحد جبر عن أصول المسرح الحميمي في علاقته مع الحيز المكاني وفي اختياره هذا النص وهذه التيمة التي تعتبر كما قال غروتوفسكي انه يقتضي "التوجه إلى عدد محدد من المتفرجين المختارين الذين تكون لديهم القدرة على التواصل مع العرض وخاصة على المستوى الروحي في التجربة الصوفية التي يفترضها المسرح" (المعجم المسرحي، فصل م،س،ل، ص 431).         وفيما يتعلق بجمالية العرض، نجد ان جبر سعى الى استخدام سينوغرافيا من المفروض ان تضيف إلى المناخ العام للعرض وايقاعه مناخا مشهديا معبرا، ولكن هذه السينوغرافيا التي استخدمت في عرض هي في غياب.. انحازت إلى الجمود واللاتعبير، على خشبة فقيرة إلى حد ما الا من حركة الممثلين. وخاصة كارول التي ملأت فراغاتها بحركة الجسد، ومن وجود الكنبة / السرير الذي شكل مكان الحوار، ومكان البوح والقول واجراء الاتصالات التليفونية / الوهمية. أما باقي عناصر الديكور لم تؤد وظيفتها المشهدية كما لم تساهم في التعبير مشهديا عن ايقاعات العرض: الطابق العلوي الذي استخدم مرة واحدة وكذلك السرير الذي وضع في هذا الطابق الذي أراد له المخرج التعبير بخلوه من الطفل، عن انكسار الأمل، وكذلك المشجب الذي صمم على شكل تابوت ليعبر عن الحالة العامة للعرض هي في غياب الحب والموت، فكانت دلالته مباشرة، لم تساهم في إضفاء جمالية مشهدية على العرض الذي استند إلى الإيحاء والتعبيرية التي اعتمدتها ايقاعاتها والتي توحي بتفجير كوامن العوالم الداخلية للذات البشرية وصراعاتها، اذن نجد ان بعض الأدوات وعناصر الديكور التي أرادها المخرج عناصر تساهم في تشكيل مشهدية العرض، وفي قول ما لم يقله الحوار أو الأداء الحركي، لم تف بغرضها. الرؤية الفنية         يتجه هذا العرض نحو الذاتية، نحو التعبير عن دواخل النفس البشرية، كوامنها وصراعاتها، وربما تشير تيمة النص إلى توجه عام في مسرح هذه المرحلة بالذات وهي تشي بالنزوح الفردانية، أي الذاتوية، ويبدو انه توجه عام تمتاز به سائر الفنون في هذه المرحلة. وينحاز هذا العرض على ذاتية الفرد، والى علاقته الحميمية مع ذاته، وهو ليس بجديد بل يعود نوعه الحميمي إلى القرن الثامن عشر. ولكن ما زال قائما حتى القرن العشرين، وهو حسب سارازاك يقف موقف النقيض مما يطلق عليه، مسرح العالم "الذي يطرح ويعالج بمنظور تحليلي علاقة الانسان بالعالم، ولا يتوقف عندما يجري داخل النفس البشرية. وقد آثر ميشال جبر انطلاقا من الحيز المكاني ومن التيمة التي اختارها للعرض ان يعبر عن هذه الذات عبر الممثلة كارول سماحة التي أدت بتقنية خلت من المبالغة والميكانيكية فعبرت عن انسانيتنا جميعا، وكذلك عبر الممثل جو قديح الذي أدى دوره في سياق تمثيلي معبر على الرغم من قصر دوره قياسا بدور كارول، فجاء العرض معبرا عن تيمته ومنسجما مع مناخها وايقاعها الحزين والحائر، ولكن كما يجب ان يختصر قليلا حتى يتلافى التكرار الذي وقع فيه. د. وطفاء حمادي هاشم

.

This is a generic blog article you can use for adding blog content / subjects on your website. You can edit all of this text and replace it with anything you have to say on your blog. You can also change the title listed above and add new blog articles as well. Edit your Blog articles from the Pages tab by clicking the edit button. This is a generic blog article you can use for adding blog content / subjects on your website. You can edit all of this text and replace it with anything you have to say on your blog.
You can also change the title listed above and add new blog articles as well.
Edit your Blog articles from the Pages tab by clicking the edit button.


This is a generic blog article you can use for adding blog content / subjects on your website.

You can edit all of this text and replace it with anything you have to say on your blog. You can also change the title listed above and add new blog articles as well.
Edit your Blog articles from the Pages tab by clicking the edit button.

This is a generic blog article you can use for adding blog content / subjects on your website.
You can edit all of this text and replace it with anything you have to say on your blog. You can also change the title listed above and add new blog articles as well.

Edit your Blog articles from the Pages tab by clicking the edit button.

Comments
* The email will not be published on the website.