20 Feb
20Feb

  ميشال جبر يشعل الخشبة بنيران العلاقات المنافقة عقل العويط 20 شباط 2019 | 

 ليس ثمة الكثير من فيلم أنغمار برغمان، في مسرحية "مشاهد من الحياة الزوجية"، إخراج ميشال جبر، تمثيل نيللي معتوق ورودريغ سليمان، على خشبة "مسرح المدينة". ذلك أن المخرج يقترح نصاً شخصياً مستلهماً من روح الفيلم، لكنه مستقى من حياة معيشة، ومن تجربة حية، حارة، ملأى بالاصطراعات والتناقضات والتمزقات، وقد وجد في أداء الممثلين الإثنين اللذين اختارهما للعمل، ما يلبّي رؤيته الإخراجية من جهة، و"الرسالة" التي يبتغي توجيهها من جهة ثانية.                                 

 الفيلم يمتد على ساعات عدة، أما المسرحية فساعة وثلث ساعة (أو نصف ساعة) تقريباً، حيث يتبارى الزوجان بدايةً، في تمويه ما يعتري حياة كلٍّ منهما بمرايا وصورٍ خادعة لا تنطلي على أحد، وإنما قد يجدان فيها ما يهدّئ الروع بين الظاهر والباطن، بين الخفي والمعلن، إلى أن تمتلئ كأس النفاق والازدواجية، وتطفح، فتفيض، ليغرق الداخل والخارج في مستنقع الحقيقة، ولا شيء إلاّ المستنقع والحقيقة على السواء. أذلك، يا ترى، هو مصير الحياة الزوجية مطلقاً، أم هو نموذجٌ ليس إلاّ، وقد شاء المخرج أن يُرينا النموذج هذا، بفجاجته، بفظاظته، بأكاذيبه، بنفاقاته، بتمويهاته، من دون أن يداري لا نفسه ولا الآخرين، حيث نعايش عشرين سنة من حياة زوجين، من الحبّ والإحباط، من التواطؤ وعدم الفهم، ومن الحقائق والأكاذيب التي تتأرجح باستمرار بين الشراكة العاطفية والوحدة المطلقة؟ لا بدّ من أن يكون ما شاهدناه، هو محض نموذج فحسب، إذ لا يمكن تعميم الحال المسرحية هذه على الحياة الزوجية مطلقاً. فالمخرج كان واضحاً منذ البداية، عندما أطلّ من وراء قناعه الحكواتي ليروي في مشهد خاطف، حكاية الثمرة المحرّمة، والحقيقة التي يستحيل إخفاء فضيحتها العارية، وليُسقطها على واقع شخصيّ معيش، أو تجربةٍ حقيقية.   العرض، والحال هذه، واقعي بامتياز. كل التفاصيل اليومية موجودة. من القهوة الصباحية وحوار الزوجة والزوج، الى الكنبة "العائلية"، الى السرير، الى المكتب، الى كأس الويسكي أو الكونياك، الى العلاقة العاطفية والجنسية، الى الشكوك والتساؤلات. كلّ شيء في البداية على ما يُرام بين الزوجين. لكن لا شيء في واقع الأمر هو على ما يُرام حقاً، سوى ما يُراد طمسه بالمجاملات والأكاذيب. هكذا، ما إن يدخل الشكّ، ويوسوس "الشيطان" للرجل أو للمرأة، حتى تتداعى صور الحياة الزاهية بين الزوجين، وينقلب عيشهما جحيماً حاميةً من الاصطراعات والتمزقات والتناقضات. العرض الزوجي، "مقنع" على العموم. لكن هنا بالذات، في قلب هذه المعمعة المستعرة، لا يسع المشاهد إلاّ أن يسجّل "خللاً" جانبياً ما، في الإقناع، أي في اللحظة التي يتأرجح البناء الاصطراعي للشخصيتين، ولنفسيتيهما، بين الشيء ونقيضه، أي التحول من ذروة التصديق إلى ذروة الشكّ. والعكس. ثمة "شيءٌ ما"، أداءٌ ما، غير مقنع في هذا التأرجح الحادّ، بين الحبّ واللاحبّ، بين اليقين والشكّ، بين الكره واللاكره، بين الخيانة واللاخيانة. لكنه محدود. فهذا "الخلل" الجزئي، غير المقنع، صحيحٌ أنه ينال من بعض الأداء، لكنه لا يخلخل بنيان العمل، ولا الرؤية الإخراجية، ولا يفسد تماسك النصّ، ولا يقلّل اختراقه جوهر الحياة الزوجية المنافقة، ورمزيات عيشها، وتوتراتها. المُشاهد لا يشاهد فحسب، بل يشترك، وينسجم، ويصبح شريكاً أساسياً في هذا الصراع، أكان شريكاً سلبياً أم إيجابياً. وهذا ما يمكن استشفافه بسهولة من القاعة المليئة التي تجاوبت مع العرض، وضحكت حيث يجب أن تضحك، وهزئت وسخرت حيث يفترض الهزء والسخرية، وتألمت حيث لا بدّ من الألم، ثمّ صفّقت في آخر العرض، لـ"الزوجين" – الممثلين، واستدعت المخرج وصفّقت له. لا يفصل المخرج بين الواقع المعيش والمسرح، بين الحياة والخشبة. وهذا هو سرّ نجاح العرض. ثمة متعةٌ خالصة في التوأمة بين الواقع والمسرح، والمخرج يدعو المُشاهد إلى عيش هذه المتعة، وإلى أن يتمتع بحضور العمل، حتى في قلب الجحيم، جحيم الحياة الزوجية وترّهاتها. ثم نراه، من دون وعظ، يحضّ المشاهد على التفكير، وعلى ركوب الشجاعة والتحلي بالجرأة، في مواجهة المشاكل، وألاّ يعيش في الكذب أو التكاذب، معتبراً أن المصارحة مع الذات ومع الآخر مهما كانت مؤلمة تبقى اقرب الطرق للوصول الى السلام الداخلي                                                                                                                 مشاهد من الحياة الزوجية"، عرضٌ مسرحي جدير بالمشاهدة. خذوه باعتباره تصوّراً إخراجياً، وهجاءً، أو انتقاماً، أو متعةً فرجوية، أو... تحذيراً. لكن، ليس ضرورياً البتّة، تعميم التصديق أو عدم التصديق.                                                        


Comments
* The email will not be published on the website.