الجمعـة 27 محـرم 1425 هـ 19 مارس 2004 العدد 9243
	مخرج لبناني خشن يتقمص امرأة سرقها الحب 
ميشال جبر يقدم مسرحية عرضت مراراً
 وبأكثر من نسخة وهو أمر نادر في المسرح اللبناني بيروت
سوسن الأبطح


مخرج لبناني خشن يتقمص امرأة سرقها الحب ميشال جبر يقدم مسرحية عرضت مراراً وبأكثر من نسخة وهو أمر نادر في المسرح اللبناني 

بيروت: سوسن الأبطح كان المخرج المسرحي اللبناني ميشال جبر يدقق في قامات ووجوه الداخلين إلى القاعة الصغيرة التي تعرض فيها مسرحيته «ستربتيز» ليلة الافتتاح، في «مسرح مونو» مقدّراً أعمار الموجودين بحدسه، كي لا يفلت أحد الصغار، في غفلة منه إلى حيث يفضّل ان لا يكون. فليس من عادة المسارح اللبنانية ان تطلب من الحضور بطاقات هوية لمشاهدة مسرحية. لكن جبر بنى عمله، هذه المرة، نصاً وإخراجاً ليليق بالكبار فقط، وهو ليس بناءً إباحياً جسدياً بالمعنى الذي قد يوحي به العنوان، وإنما على العكس تماما. فالممثلتان (ريتا شويري جبر وشيرين دبس) لم تلجآ إلى أي من الوسائل السائدة في الاستعراضات التجارية أو الأغنيات الاستهلاكية، وإنما العري عند جبر أو «الستربتيز» كما يسميه هو روحي، يعتمد على المصارحة والمكاشفة بالدرجة الأولى. وهذا ما جعل مسرحيته الأنثوية، الدفاقة بالصدق والاعتراف الفج حد الصدمة، قادرة على الحياة، والعودة إلى المسرح مراراً وتكراراً وبأكثر من نسخة، وهو أمر نادر في الحياة المسرحية اللبنانية. فهذه ليست المرة الأولى التي تعرض فيها «ستربتيز» في بيروت، لكن رجعتها أخذت صورة مختلفة عن سابقاتها، فقد استعاض جبر عن الممثلات الخمس اللواتي شاهدهن الجمهور في عروض «مسرح بيروت» باثنتين فقط، استطاعتا ان تقدما دراما الأنوثة المعاصرة في صالة حميمة وصغيرة، وكأنما المسرح هو البيت والمتفرج واحد من أهل الدار. وإن كان العرض يبدأ بعزف ناعم على البيانو (قطعة الأثاث الوحيدة على الخشبة مع كرسي صغير) وبمحاسبة قاسية من المرأة العازفة للرجل الذي ينوى السفر بمفرده، وصياح وتهديد بمعاقبته بفعلة من نوع عمله وأشرس، فإن الوتيرة الدرامية للأحداث تبين كيف ان حياة المرأة الباحثة عن حب حقيقي تشبه مغامرة مجنونة غالباً ما تسوق إلى الكارثة. فالرجل يموت تحت وطأة الصراخ والزعيق والحبيبة تتركه وتخرج وكأنما لم تفهم انه قضى. وبرحيل أنطوان تبدأ المواجهة بين العاشقة التي مات بحضرتها، بعد ان كتب لها ثروته، والزوجة التي جاءت تستعيد التركة العائلية التي أفلتت منها. لكن جبر الذي صاغ نصه بناء على مجموعة مقابلات أجريت مع فتيات تتراوح أعمارهن بين الثامنة عشرة والأربعين، سرعان ما يجعل الشخصيتين (العشيقة والزوجة) وجهان لامرأة واحدة، لكنهما تتناوبان منفردتين أو مجتمعتين على رواية قصة الأنوثة المغدورة. تعدد الشخصيات المحذوفة جسداً عن الخشبة مع الإبقاء عليها في النص والبنيان الإيحائي وتحمّل الممثلتين عبء إحياء المشاهد ومحادثة الغائبين كما الحاضرين، بتلوينات النبر الصوتي والأداء الجسدي أعطى العمل دفعاً قوياً، وبقع الضوء التي كانت ترافق الراوية أو الراويتين، وتجعل كل شيء عداهما ظلاماً، جعلت الكلام كثيف الإيحاء محمولاً بالتداعيات. فمن مراهقة مهشمة بسبب التحرش الجنسي من محرم، نرى زينة وهي الشخصية المحور المراد بلورة حكايتها، تنتقل إلى علاقات ضائعة مع الشبان بحثاً عن ملاذ عاطفي آمن ثم لا تلبث ان تقع في أسر حب أستاذ الفلسفة، الكبير في السن والخارج من مرض عضال، حين يوفر لها شيئاً من الحنان الهارب، ثم وفاة الأستاذ وعودة زينة إلى العمل في بارٍ كسباً للرزق. ويزيد الطين بلة عند زينة سلسلة التحرشات الذكورية والتكالب عليها كفريسة سهلة بغياب رجلٍ حامٍٍ، وما يترتب على ذلك كله من مقاومة الأنوثة ووصولها إلى حافة القرف من رجولة لا تفهم غير لغة الجسد. زينة التي لا تريد غير الصدق الدفيء،لا ترى بصيص ضوء ممكن في آخر النفق . فالمحامي والشرطي والأخ والزبائن كلهم رجال يجسدون رغبة واحدة كما هما الغريمتان (العشيقة والزوجة) اللتان انتهتا عند جبر إلى التوحد معاً في الألم والرغبات والمكبوتات. والمتفرج على «ستربتيز»، الداخل إلى أعماق زينة، لا يعجب بنبض الممثلتين الشابتين بقدر ما يستغرب من قدرة كاتب النص على استكناه الأنوثة ورغباتها وأسرارها الصغيرة ولغتها السافرة حين تقرر ان تكون وقحة حد التجريح والتشريح. لماذا قرر ميشال جبر ان ينتصر للنساء في مواجهة عاتية للرجال ودواخلهم الملوثة بالرغبة في التعدي ان لم يكن الاعتداء!؟ وكيف لميشال جبر وهو الخشن بشاربيه الكثين ولحيته غير الحليقة ان يتلبس روح أنثى معذبة ومقهورة من الصنف الذي لم يقابل عطفاً أبويا أو حنواً أخوياً أو إخلاصاً زوجياً؟ محطة مسرحية هي موقف من مخرج معروف ببغضه للحيادية وميله الشرس للمرور العابر الذي لا يقبل بحضور فني من دون الحفر في المعنى. استطاعت زينة ان تحكي قصتها متنقلة بين الكنيسة ومركز الشرطة وفي مطار باريس وشقتها ومكتب المحامي والبار الذي تعمل فيه متمترسة خلف البيانو مرة واقفة إلى جانبه أو أمامه مرة أخرى، لم تحتج المرأة لعناصر سينوغرافية كثيرة لتقنع مشاهدها بتغير الأمكنة وتعدد المطارح، فالعمل جلّه كان ينصبّ على اللغة الأليمة الساخرة والمتوترة في أغلب الأحيان. هذه اللغة التي تحولت إلى دلالة صارخة على نمط في الوجود لا يشبه غيره. الكلام في «ستربتيز» وقح ويكشّر عن مكنونات جريئة بعامية سوقية تتناسب مع انحدار المستوى السلوكي في مدينة عربية مسكونة بحرية تطرح علامات استفهام كبيرة حول عدالة مضمونها وحياة ناسها. وتأتي الفرنسية حين تبوح بها المرأة في الأحيان، وكأنما هي الوجه الآخر النقيض لعامية لبنانية وصلت قعر التردي اللفظي الذي لا شيء غيره يستطيع أن يصور بالكلمة الهوة السحيقة التي انحدرت إليها حياة زينة أو المرأة التي أحبت الحب أكثر من نفسها، وتخلت عن ثروة الراحل لأن ما تريده هو أكبر من المال لكنه أبسط من أن تهدر في سبيله جملة من الأعمار.


You can also change the title listed above and add new articles as well. Edit your Articles from the Pages tab by clicking the edit button. This is a generic article you can use for adding article content / subjects on your website.
You can edit all of this text and replace it with anything you have to say in your news/topic article. You can also change the title listed above and add new articles as well.
Edit your Articles from the Pages tab by clicking the edit button. This is a generic article you can use for adding article content / subjects on your website.

You can edit all of this text and replace it with anything you have to say in your news/topic article. You can also change the title listed above and add new articles as well. Edit your Articles from the Pages tab by clicking the edit button. This is a generic article you can use for adding article content / subjects on your website. You can edit all of this text and replace it with anything you have to say in your news/topic article. You can also change the title listed above and add new articles as well. Edit your Articles from the Pages tab by clicking the edit button. This is a generic article you can use for adding article content / subjects on your website.

You can edit all of this text and replace it with anything you have to say in your news/topic article. You can also change the title listed above and add new articles as well. Edit your Articles from the Pages tab by clicking the edit button.