النهار – نزيه خاطر – 11 آذار 2004 -  نسخة ثانية معدّلة من مسرحية "ستريبتيز" لميشال جبر امرأتان تختزلان تجارب نساء بلا قناع

        قوي وحقيقي وداخلي هذا الشعور الذي بدا مستنفرًا كل طاقته، والذي لم يغادرني لحظة طوال عرض "ستريبتيز" أي "تعرية" في نسخته المعدّلة نصًا وتصميمًا وتنفيذًا، والمبرمجة حاليًا في القاعة الصغرى في مسرح مونو، والذي إلى شدّه إياي إلى مرويات تتوغّل عمقًا في التجاعيد تحت قناع المرأة في المدينة، وعلى نحو جريء وأكول ووحشي، يحرّك فيّ أكثر من علامة اعجاب بقدرات هذا المسرحي المخضرم المدعو ميشال جبر على القيام بقراءة اخراجية ثانية لنص درامي من تأليفه، قراءة مغايرة كليًا عمّا كان انجزه قبل عامين، أي في 2002، على منصة مسرح بيريت.       وفي جديده، النص الكلامي هو الأكثر ثباتًا رغم التعديلات فيه لجهة لملمة بعض تفاصيله غير المجدية في وصف بورتريه زينة، الشخصية المركزية والوحيدة لعرض مجدول على تحولات امرأة من خلال ممثلتين، ريتا شويري وشيرين دبس، تتناوبان على رسم الملامح البائسة المقفلة على الخيبات الممنوعة حتى عن راحة الضمير إذ لا تجد لدى رجل الدين تفهّمًا يرضي توقها إلى البراءة الأصلية. والممثلتان تؤديان المرأة نفسها في لحظة من حياتها، ضمن تعرية فاضحة تلامس الوقائع التي لا تُروى عادة والغرائز المطمورة دومًا تحت الوشوشات الحميمة، كأنهما الوجه والقفا لحياة تُحكى بصوتين يتقاطعان ويتداخلان ويتكاملان ليمتزجا في ضمير المشاهد الذي يغوص مع نمو حركة المرويات وايقاعها، في التجاعيد السوداء والصفراء لمعنى أن يكون الانسان أنثى في المجتمع اللبناني. وزينة قبل أن تصبح امرأة معرّضة في وجودها لكل غرائز الرجال، كانت تلك الفتاة البريئة، أو البريئة نسبيًا، التي تكونت أنوثتها اعتداء إثر اعتداء، في أسرّة أقرب الأقرباء. ومن هنا الشعور الرمادي القاتم بأنه لم يبق هناك حاجز أو مانع أو فعل محرّم بعدما مرّت بما عرفته رغمًا عنها في تواطؤ جزئي معه من دون أن تعي ما يحصل لها. والحياة بعد ذلك تأخذ البعد الإنساني الملوّن بلبس يشجعها على تأويل أفعالها بحسب التصرّفات الجنسية لرجال يومياتها: الصهر، الأخ، أستاذ الفلسفة، العشيق، المحامي، كاتب السيناريو، كوميسير المخفر، رجل الدين... وإن بدا العشيق الأقرب إلى قلبها ورجل حياتها – رغم أنه متزوج -، فزينة انقلبت عليه بغيرتها وعلى نحو شرس ووقح وزقاقي فيما كان يطلب مساعدتها لضيق في صدره، ومات هو، وفَرّت هي، حتى من دون الاقتراب منه. ***       ومن هذه اللوحة الأولى بين زينة وعشيقها أنطوان، الرجل المتزوج، ينطلق عرض "ستريبتيز" على إيقاع الشخصية الواحدة التي تؤديها ممثلتان، في مجتمع بيروتي مهترئ كالذي يكثر الحديث عنه في أيامنا. ولرسم بورتريه متحرّك ودرامي لزينة، يرتكز ميشال جبر، مؤلف النص ومخرجه، على كل من ريتا شويري وشيرين دبس، لوصف دقيق على حرارة، وداخلي على انفعال، أخلاقي من دون حدود، فيبدو الوصف وثني النزعة لوفرة مقاربته المحرّمات، كل المحرّمات، في حرية مغمّسة بالصراحة الوقحة التي لا تكتفي بتسمية الأشياء بعريها بل تروي أصغر التفاصيل حتى الجنسية منها. والممثلتان تؤلفان ثنائيًا حقيقيًا واقعيًا، وكان أداؤهما بالتكافل والتضامن يقوّي وصول صورة زينة إلى جمهور معظمه من فتيات عشرينيات تجاوبن في حرارة مع نص كلامي وأداء درامي في غليان دام ساعة، أي مدة العرض. وأخضع ميشال جبر عرضه الجديد مع ممثلتين عوض الخمس في العرض السابق لإعادة إخراج كاملة استوحت كامل تشاكيلها الأدائية والسينوغرافية من الإطار الخاص بالمنصة الضيقة لقاعة مونو الصغرى، ومن النظرة المعدّلة لنص كلامي وزّع على ممثلتين. ولمنصة القاعة الصغرى ملزمات على المخرج أخذها في الحسبان لدى إخراج عرضه، ولم يستعن ميشال جبر إلا ببيانو أنزله في وسط المكان الدرامي تاركًا الفناء في تصرّف ريتا شويري وشيرين دبس اللتين اعطتاه الحجم المتحوّل إلى كل الدلالات، الشقّة، المنزل، البار، المخفر، الكنيسة... حتى بدت متضاعفة إلى أقصى حد وشبه واقعية ومخنوقة في آن واحد.  والممثلتان من عصب ونبض، ولو تحركتا منفردتين أو معًا تخلقان على قامة كل منهما الزخم التعبيري الدرامي لمنصة تتزيّا من عريها. والبيانو رفيق عزلة والعنصر الثالث لدى المواجهة الضارية والملونة باللؤم الأنثوي بين الزوجة (شيرين دبس) والعشيقة (ريتا شويري) في لوحة الزيارة بعد وفاة العشيق، أي أن الممثلتين تصنعان العرض فتختصرانه بحضورهما بل تلغيان تقريبًا ضرورة وجود أي عنصر إضافي. وأداء شيرين دبس انفعالي ومتوتر وجسدي، وفي ملامحها مسحة برودة تغطي شهوة نائمة، ويحمل جسدها معالم مجون في أقصى كبته، فيما يدور أداء ريتا شويري على جسد ظاهره محايد فيما تغلي بواطنه بالغرائز التي من الصعب التحكم فيها. وريتا شويري صوت تحت التحكم العاطفي، وبشرة لا تشي بمخزون الغرائز تحتها، وتفاصيل مغرية للعين كما قد يتخيّلها أي متابع لعرض "ستريبتيز". ***       وهو الإخراج، لميشال جبر الذي في حصره الممثلتين في مواقع محاصرة بالضوء كبقع ضيقة، يهب "وجوه" زينة القوة التعبيرية الدرامية والحضور الجذاب في عرض ينساب كالماء العذب رغم حرارة مضمونه. وللإخراج إيقاعه البصري المركّز على حركة الممثلتين ضمن ظلال يخترقها ضوء في محاولة لإبراز عزلة زينة المأسوية. وكل عناصر العرض تصب في بورتريه هذه العزلة، الأزياء السوداء والمنصة الغارقة في العتمة والمعاني المتداولة رغم صراخ الشخصية الوحيدة، ورغم النقرات القليلة على ملامس البيانو والرنات بين الرومانسية والمفجوعة الصادرة عنها كلما لامستها أنامل هذه أو تلك من مؤديتي شخصية زينة. وللإضاءة (توفيق طبال ولما صوايا) فاعلية خصبة في تحديد الأجواء السينوغرافية التي تستمد أولًا قدراتها على رسم الأبعاد البصرية للمنصة من موهبة المخرج ميشال جبر المعقودة على تجربة ثرية جدًا في ابتكار المناظر المتحولة لعالم مفتوح على السرد والتخيل.       جذّاب ومضبوط على ذوق وسلس على طراوة ومطواع المفاصل العرض الجديد لميشال جبر، والغريب فيه انه رغم انه مستعاد ومعدّل ومعقود على مرويات سابقة عرفت النجاح، يطل كأنه عرض أوّل ونضر وبريء وخجول.       والأكثر شفافية فيه لغته المحكية الشعبية التي، رغم انحيازها إلى زقاقية فاضحة، تشدّ وتصيب وتترك زرقة في ملذات العرض البصرية.      نزيه خاطر