النهار – تشرين الثاني 2002 نزيه خاطر "ستريب تيز" لميشال جبر تأليفًا وإخراجًا في مسرح بيريت خمس ممثلات لتحية امرأة واحدة مرة أخرى، وفي عمل مسرحي جديد من تأليفه وإخراجه، يدل ميشال جبر على براعة أضحت علامة عروضه تختصر بإدارته الذكية واللبقة للعاملين معه، خاصة للمثلات اللواتي يختزن خبرات، وإن يكن شابات، فيصل إلى الدفع بهن إلى أقصى الحماوة التعبيرية للانفعال في كل منهن. لجديده هذا، اختار ميشال جبر عنوان "ستريبتيز" رغبة منه في إبراز عملية التعرية البطيئة التي يقوم بها لتلك الشخصية النسائية، زينة، بطلة مرويات حكايته. وهو يذهب في تناول هذه التعرية إلى أبعد من تفنن المرأة في رفع الملابس عن مفاتن جسدها، وهو معنى " الكاباريه" للعنوان، إلى تلك اللحظات الحاسمة في دورة حياة كل امرأة حين عليها أن تستخرج من خبايا ذاتها الى التفاصيل الحميمة والأخرى التي لا تقال سوى في المواجهات المأسوية حين في الأمر نشوة أو يباس. لم يشتت ميشال جبر جهوده في رسم شخصية زينة، كونه حصر معالجته لها في المواقف المفصلية التي يتقرر من خلالها مصير إنسان. وسهل جدًا هنا، أن يقال مثلًا، عن عرض "ستريبتيز" انه يحكي القصة السوداء لامرأة معانية من المهد، تقريبًا، إلى اللحد، أو على وشك. وقد يكون القول صحيحًا بحروفه العريضة، إلا أنه يحتاج أيضًا وفي احاطته كاملة بحقيقة زينة، ان تتحتم الإشارة من خلال وقائع غيّرت عمقًا مسيرة حياتها، إلى المعاني الرئيسية للأحداث التي تضمنتها اللوحات السبع في "ستريبتيز" والتي ترفع شخصية زينة من نموذج لبناني في إطار عيشه بيروت، إلى قامة انثوية إنسانية تعارك من أجل سعادة غير مؤكدة، فيما هي تنزلق لوحة بعد لوحة، إلى الهاوية السوداء حيث كما تقول زينة: "(...) لا شيء هناك، حقيقة لا يوجد شيء، لا شيء سوى الظلمة *** لقد ركز ميشال جبر بنية نصه، كمؤلف، على محاور تصنع فقط الثقل في حركة العيش البري للمرأة، وبدا مستفيدًا في ذلك من تجارب سابقة له مع مؤلفين عالميين عرفوا عالميا بالتعامل العميق مع دنيا الفساد، غارسيا لوركا، رادزينسكي، اردمان، بوزاتي. ومن الأخير استعار التقطيع الدرامي للشكل المسرحي الذي قد يكون أثره علّم في توزيع مرويات زينة على اللوحات السبع في "ستريبتيز"، وهي عمليًا ثماني بحسب الرقم 8 الذي يتوّج لوحة العرض الأخيرة باللغة الفرنسية كاملًا. انطلاقًا أطلت زينة في حلة امرأة شابة عاشقة على علاقة غرامية برجل يكبرها سنًا، ومن خلالها فدخل العلاقة الحميمة للأنثى مع جسدها حين يتفاعل جنسيًا، وعاطفيًا مع الحبيب. والصورة عنيفة، خام، فجة، خشنة، تكاد تبدو وثنية من فرط التصاقها بعري بدنها حتى اصغر التفاصيل وخارج أي هاجس غير ذاك المعقود على حبها للرجل ورغباتها (أداء ريتا شويري). وفي نقلة زمنية ؟ بقليل وفاة عشيقها بنوبة قلبية في حضورها بينما هي غارقة في غيرتها مهددة إياه بكل الخيانات الممكنة، اتى إلى زينة تستقبل الزوجة الأرملة، زوجة عشيقها أنطوان – نعرف أن اسمه أنطوان، وهي المرة الوحيدة التي يذكر فيها اسمه – تستقبلها وسط أجواء مليئة باللؤم المتبادل والكلام المؤذي اللذين وإن بدت زينة بارعة في رميهما على زوجة مهتمة فقط بما ترثه من زوجها، غير أنها تخرج من هذا اللقاء غير المنتظر، محبطة ومحاصرة بشعور بأنها مسؤولة عن موت حبيبها أمام عينيها وهي غير متنبهة للأمر بدافع غيرتها (أداء باسكال سكر). كأنما بعد الصورة الانثوية لشخصية زينة انتقل ميشال جبر إلى وضع بطلته في مواجهة واقعية الملامح مع الزوجة النموذجية (الأولاد والمصلحة العائلية) ومن ثم مع المؤسسة الاجتماعية الموجودة ضمنًا في المونولوغ الذي يضم صراحة حضورًا قويًا وإن افتراضيًا، للزوجة. والعرض بكامل لوحاته يدور على قاعدة الأداء المنفرد على نحو مخاطبة آخر موجود في المكان روائيًا رغم احتجابه عن نظر المتفرجين دراميًا. إلى اعتماد ممثلة خاصة بكل فعل حياتي لزينة تؤديه بمفردات من صميم تفاعلها مع الحالة المرحلية لبطلة القصة، وبعد ريتا شويري في لقاء زينة وأنطوان، وباسكال سكر في المواجهة الصفراء بين زينة وأرملة أنطوان، توالت وفي اشتعال داخلي كالصدى للتحولات النفسية الممتعة المجروحة في حلمها والمسروقة الجسد والقلب، كل من باتريسيا نمور في زينة ابن بار، وشيرين كرامة في زينة في المخفر، وزينة فرج الله في زينة والكاهن، وكان امتلاء لمنصة ضاقت بحضور ممثلات ثلاث وقفت ولمعت وأشرقت. *** عرض "ستريبتيز" نص أولًا، وجرأة في بناء صورة امرأة من المدينة، وثراء فوار في تراكم التفاصيل لصنع بدن واقعي لأنثى تحلم بالحب فيما يستهلكها الرجال في وحشية وانسياب غرائزي لكلام من مفردات ململمة من دون تردد من كل زوايا العيش، من الدوائر الجنسية مهما كانت عارية إلى لحظات الكلام الشعبي فالزقاقي فالمجبول بالوحول حتى قعر اليأس. وزينة شربت المر حتى القنوط الكامل. وفي تصوير ميشال جبر لهبوط زينة من عالم الحب، إلى جشع المجتمع الأهلي (الزوجة)، إلى دنيا الملذات الاستهلاكية (البار والمحامي)، إلى ضحية تجهل لم هي موقوفة في مركز للشرطة مع عاهرات (الشرطة وقمع السلطة الغبي)، إلى امرأة تبحث عن حل نفسي يريح ضميرها قرب السلطة الروحية (الكاهن وكرسي الاعتراف)، إلى يأس كامل بالعالمين، الهنا والهناك (لا شيء هناك)، في تصويره لمشوار زينة كمن يستعيد على نحو قصة حب رجل وامرأة، الحكاية التي لا تنتهي للنزول إلى الجحيم. وللغة ميشال جبر نكهة العامية الحرّة، أي التي لا تجد مانعًا من غرف مادتها من معجم المتلوّن بألسنة الزواريب والبارات وأماكن العبادة وإنما كذلك من أعماق غرف العشاق ومن الترابط الوثني بين المرأة وجسدها بعريها وعريه. وفي الوقت عينه يدين عرض "ستريبتيز" بالكثير من حيويته إلى المنحى الإخراجي المعقود على بساطة الإيقاع، ووضوح حركة السرد الروائي، ومتانة الفواصل التي تجعل الانتقال من لوحة وممثلة إلى لوحة وممثلة أمرًا مرنًا طريًا ولبقًا جذابًا. وصب انحياز ميشال جبر إلى المنصة العارية – كرسي إلى اليمين وآخر إلى اليسار – والمسكونة عمدًا بسواد قاتم كأنه الصدى للعواطف المتلبدة في ذات زينة، صبه في تغذية الشعور المتصاعد عنفًا في المكان، في مسرح بيريت، الجامعة اليسوعية، قرب المتحف. ويكاد دوران العرض يبدو للوهلة الأولى مهندسًا وفق بنية شبه بدائية، نسوة بالجمع يرقصن على موسيقى حارة معاصرة جدًا في عمق المنصة، في مكان يوحي اختزالًا بأجواء عالم الليل في المدينة (إضاءة جوني أبي فارس). يصيح ديك مرتين قبل أن تخرج من هناك فتاة شابة أنيقة حديثة تسير في اتجاه مقدمة المنصة حيث كرسي خالٍ. وكمن يرى رجلًا لا يراه المتفرجون تأخذ بالكلام معه، ومع من هم في مقاعد الجمهور في آن واحد. والأمر عينه يتكرر: تقول ما لديها وتخرج لينعقد الرقص مجددًا في العمق قبل أن تخرج أخرى، الخ. وتستمر حركة الدخول/الخروج إلى نهاية لوحة زينة والكاهن (اللوحة الخامسة – أداء زينة فرج الله) حين يتبدل الجو السينوغرافي العام ليدور على جمع الممثلات الخمس في مشهد استعادي لمرويات زينة. امرأة واحدة بخمسة أصوات وخمسة نماذج على صورة محطات تتراكم حول شخصية امرأة تناولها المجتمع بريئة ملونة بألف حلم، ولم يتركها إلا بعدما عهّرها رغمًا عنها وأبخل عليها حتى بالعون الروحي حين أتت إلى الكاهن لإنقاذ بقايا ضميرها. هن الممثلات من وهب شخصية زينة الجسد المشتعل والجرأة في قول الأشياء حتى أوقحها والحضور الأنثوي الفجّ الذي يشي بأكثر مما في الحوار كأن جسد كل منهن حكاية ملعونة تنتظر ماءً يريحها. وحارّة الجسد تحت الاستنفار زينة فرج الله لدى الكاهن، مليئة تعبيرًا رغم تقشّفها في الأداء، والصوت يوحي بقدر ما يشي الجسد، وهي زينة تحت الفستان الأسود، التي تطمر فيها جسدها في آخر صورة لها. وذات عصب من يأس وغضب وشيرين كرامة (زينة في مركز الشرطة)، ومن مفردات عِقَد تحت الرماد قبل أن تنفجر في وجه الرقيب الفاسد الذي يختصر في نص ميشال جبر زمنًا وسلطة وموظفين. ومقفلة على إحباط زينة / شيرين كرامة، وأمام رجال كالذئاب تختار الذهاب إلى ظلمة الظلم على أن تستسلم. وتلتقي شيرين كرامة، من زاوية ثراء مفردات أدائها، بالحضور الدرامي المتحوّل دومًا لباتريسيا نمّور، والمنزلق تدرجًا من الجو الخفيف إلى الوجه الدرامي المعلّم من غير الاهتمام أبدًا باللغة المستعملة في الحوار، العربية المحكية أو الفرنسية، وتتفجر باتريسيا نمّور كالأسهم النارية إلى كل جهات المنصة وكل مستويات الكلام وكأنها ابنة بار محترفة لوفرة موهبتها في أن تبدو متقمصة الشخصية الدرامية المعقودة عليها. *** قصدت مرتين مسرح بيريت لحضور عرض "ستريبتيز" مدفوعًا، أولًا برغبة في التمتع مجددًا بالأداء المصقول على حرارة عالية لممثلات من عصب مجدول وملامح من خراميش على منصة متقشفة ومختصرة، وعلى ما يجب فقط، وكمن يقول على ما قلّ وما دلت عليه أدوات سينوغرافية (إخراج كريستين أسمر) جُمعت فقط لتوازن نص لا يكتفي من شدة التصاقه بأجواء المدينة من خلال حكاية امرأة كأنها تختزل حياة بلد ومجتمع. كما أن هنالك محرّضًا ثانيًا لمتابعة العرض في بيريت: شعوري بأهمية تجربة ميشال جبر في حقل الإخراج المركّز عمقًا على تفاعل سينوغرافي للنص مع الغلاف السمعي – البصري للمنصة، وفي حقل إدارة الممثلين في مرحلة مسرحية ندر فيها كثيرًا عدد المخرجين المستنفرين مهنيًا، لابتكار مؤدين لكل الأدوار. وجلي انحياز ميشال جبر إلى العمل على صقل الممثلة. ولذا نراه من "برنادا ألبا" إلى "هي في غياب الحب"، إلى "الحياة حلوة"، إلى "ستريبتيز" يحفر في الجسد الأنثوي وراء تفجّر الموهبة. ومن ناحية ثالثة، وإن من زاوية أخرى كليًا، كنت أبحث عن السبب وراء شعوري بانزعاج قوي أمام المحتوى الدرامي للوحتين الأخيرتين: استعادة الممثلات مجتمعة لسيرة زينة، واحتضار زينة الهذياني الدائر على الإيماء شبه الراقص والتعبير الجسدي. واللوحتان غير مركّزتين سينوغرافيًا وكوريغرافيًا. وبدا واضحًا وجود مثل تنافر حاد بين أجساد بعض الممثلات ومادة الرقص. وربما كان أفضل لهن جميعًا لو دار الرقص على إيقاع حديث! وإلى ذلك فاللوحة الأولى (الاستعادة) ساكنة على دردشة كلامية تطلب حذف أكثر من النصف، ربما، عندئذ يستقيم دورها وتبرز فائدتها. بينما تدور اللوحة الأخيرة على ثقل في الأبدان وبلبلة في الإيقاع المشهدي وغياب نافر لأي تجانس بين المؤديات ضمن حركة كوريغرافية وسينوغرافية ذات معنى درامي! وملاحظة أخيرة بين قوسين: لمَ اللغة الفرنسية في ختام عرض لمؤلف لبناني بالمحكية، وخاصة أن معظم مؤدياته لا يتفاعلن عمقًا مع التوظيف الدرامي للغة كورناي وراسين! والسنة الفرنكوفونية أقفلت أبوابها ونوافذها. نزيه خاطر
.