لم يقتبس المخرج ميشال جبر مسرحية " هي في غياب الحب والموت" للكاتب الروسي ادوارد رازندسكي ( موسكو 1936) مقدار ما سعى الى " لبننتها" والى اسقاطها على الواقع اللبناني عبر اعتماد بعض التفاصيل التي لم ترد في النص الاصلي. فالممثل الذي تقع الممثلة الشابة في حبه ليس الا استاذا في المعهد الذي يدرس المخرج نفسه فيه، وبدا كأنه يصفّي حسابا ما مع نفسه من خلال هذا الممثل الذي سوف تذله الممثلة انتقاما لحبها ولحياتها المدمرة. ولئن بدت الممثلة ( كارول سماحة) تؤدي شخصية ممثلة (نينا) هي على حافة الإنهيار فإن الممثل ( جو قديح ) يؤدي بدوره شخصية ممثل ( جورج) اضحى نجما تلفزيونيا بعدما هجر المسرح الجاد والمعهد. انها لعبة ممثلة وممثل اذن يحبك المخرج ميشال جبر خيوطها بمهارة، لعبة ممثلة تحاول ان تخرج من زمن الضحية لتوقع الممثل ضحية لها، بل لعبة ممثل يحاول ان يتخطى صفة الجزار ويعجز بعدما احرقت نار الغيرة قلبه. انها لعبة الضحية والجزار : الضحية تحاول ان تكون جزارا فتفشل والجزار يحاول ان يبقى جزارا ويفشل. لكن الاثنين سينقلبان في الختام ضحيتين، ضحيتيّ الماضي والواقع الاليمين، ضحيتيّ القدر والعبث. اختار ميشال جبر مسرحا صغيرا لا يسع لأكثر من خمسين كرسيا وفيه يشعر المشاهد بأنه في قلب اللعبة المسرحية. الأحداث او الوقائع تحصل امامه مباشرة ولا شيء يفصل بين "العلبة" الايطالية وبينه. ولذلك ركز المخرج على اداء الممثلة والممثل وعلى حضورهما فهما أساس اللعبة وركيزة العرض ومنهما تنطلق الرؤية الاخراجية لترجع اليهما. فالسينوغرافيا بدت عادية على رغم تنافر عناصرها : منزل هو أقرب الى المستودع الذي تعمه الفوضى وفي الغرفة العالية سرير لطفل اجهضته " الممثلة" فلم ير النور لكن صوته سيندلع في الختام طالعا من لاوعيها ومن ذاكرتها المحمومة. وفي هذا الفضاء شبه السوريالي ببعض الوانه واحجامه المتنافرة، سوف يؤدي الممثلان لعبتهما الحقيقية والمتوهمة والحميمة جدا. غير ان اللعبة تستهلها الممثلة وحدها في البداية موهمة نفسها والجمهور تاليا بأنها تتكلم على الهاتف مع صديقة لها. لكنها تدرك كل الادراك ان الخط مقطوع وان الهاتف ليس الا ذريعة ليتحول الى " المونولوغ" الى حوار ثنائي تكون الممثلة نفسها طرفه الآخر. ينطلق المخرج من معطيات الشخصية التي لا تعرّف عن نفسها إلا من كونها ممثلة، فيجعل اللعبة لعبة تمثيلية بامتياز ولكن ليس في المفهوم " التغريبي" وانما ارتكازاً الى " الحقيقة" الداخلية للممثلة. وفي عمله على الأداء، ولاسيما أداء الممثلة، يسقط جبر كل " الكليشيهات" التي تثقل الأداء عادة ويدفع ممثلته البارعة الى الانصهار في شخصيتها والى الصدق في التعبير والمعاناة. وهكذا تنجح كارول سماحة نجاحا باهرا في عيش شخصية الممثلة وفي تجسيد مأساتها برقة وعنف معتمدة لغة الوجه والجسد والكلام والصمت في وقت واحد. ولم يخطىء المخرج في استهلاله العرض بحركة الممثلة التي تدخل بيتها شبه ثملة فترتمي ارضاً وكأنها تهين نفسها بعدما أهانها الممثل الذي أحبته. ولئن بدا دخولها هكذا مقنعا فإن دخول الممثل في الطريقة نفسها لم يكن مقنعا تماما ولم يشفع له ضحكه الذي توالى خلال ارتمائه ارضا. على ان الوقت الذي تمضيه الممثلة حتى دخول الممثل سيكون وقتها هي وعبره تتداعى مفصحة عن المأساة التي تجتاحها. وعبر الهاتف الذي تنساه من حين لآخر تحكي قصتها وكأنها تحكي مع صديقتها التي ليست الا هي نفسها. وعلى الهاتف راحت تمثل " حياتها " متوجهة الى نفسها هي التي لا تستطيع ان تعيش من دون ان تمثل. لكنها مثلث حياتها بألم حقيقي وكأنها تمثل حياة سواها. واغتنمت كارول سماحة الفرصة التي منحتها اياها شخصية الممثلة وأدت دورها مزدوجا : ممثلة تمثل شخصية ممثلة مدمرة لم يبق لها من الحياة الا التمثيل. اما مأساتها فتكمن في الحب ولم يكن الحبيب ممثلا الا ليزيد من خطورة اللعبة ومن حجم المأساة. فهو استغل انقطاع علاقتهما ليكتب قصة حبهما بل قصة حبيبته السابقة ( الممثلة) مسندا دورها الى حبيبته الجديدة. لكن الحبيبة القديمة سوف تثور ثائرتها امام هذه اللعبة القاسية بل ستنهض غيرتها حيال الحبيبة الجديدة التي لا تتوانى عن وصفها ب" قحباء الفرو". ولم يشعل الممثل نار الغيرة فيها الا بعدما اشعلت فيه ذات ليلة نار الغيرة ايضا، اذ راقصت في احدى الحفلات الليلية احد الحراس الشخصيين السود قهرا له، هو الحبيب الخائن الذي ما برح يعتبرها من ممتلكاته حتى بعد انفصاله عنها. تنتهز الممثلة اذن هاتفها لتستعيد وحدها بعضا من ماضيها التاعس متوهمة بانها تتحدث الى احدى صديقاتها. والماضي التاعس ليس سوى قصة حبها الذي لم يكتمل والذي افضى الى زواج فاشل ثم الى خيانة الزوج مع الحبيب الاول. ولئن فشلت في حبها وزواجها فهي فشلت ايضا في ان تتحول الى أم فاجهضت بعدما رفض الحبيب ( لا الزوج ) الاعتراف بما فعل. انها في اقصى لحظات الانهيار : فقدت كل شيء من اجل الحب، فقدت ماضيها وحاضرها وأمست وحيدة متعبة حتى من الحياة نفسها ولا شيء لديها لتفعله. حتى التمثيل لم يعد يلبي حاجتها وبخاصة تلك المسلسلات الرديئة التي انجرت اليها رغما عنها. وفي لحظات تداعيها تعلم سرا ان الممثل (جورج) سوف يقرع بابها بعدما اثارت فيه الغيرة في تلك الليلة فأحس بأنه فقدها ورفض ان يفقدها على رغم خيانته وهجره لها. وحين يقرع الباب تبدأ لعبتها الانتقامية. انها تعلم جيدا ان جورج وراء الباب متنكر في شخصية الحارس الشخصي الذي راقصته. وكان من السهل على جورج ان ينتحل تلك الشخصية وان يتكلم بلغة فرنسية، افريقية اللكنة. وكان من السهل عليها ايضا هي التي قررت الانتقام ان تتمادى معه في اللعبة وان تمثل عليه مستدرجة اياه للوقوع في فخها. وحين تفتح له يدخل ضاحكا وكأن شيئا لم يحصل ثم يرتمي على الارض متقلبا وسط ضحكها. ولقائهما سرعان ما سيتحول الى لقاء حاسم تتم خلاله تصفية الحساب، حسابها هي طبعا، هي الضحية التي رفضت بدءاً من تلك اللحظة ان تظل ضحية. ولذلك تفاتحه بشأن المسرحية التي يزمع ان يؤديها مع حبيبته الجديدة وتسعى ان توهمه بأن مسرحيته تنتهي في جريمة وكأنها تهيىء له جوّ لعبتها السوداء. ولن يدرك جورج خيوط تلك اللعبة الا حين تشهر المسدس في وجهه مجبرة اياه في ما بعد على اداء مشهد من المسرحية معها هي. الا انها لا تبدأ لعب ذاك المشهد الا بعد ان تبدل ثيابها وشعرها متخلصة من زيها الهامشي وشبه الصبياني مرتدية لباس امرأة ملؤها الإغراء. وكان ربما على المخرج ان يجد حلا اخراجياً آخر للوقت الذي تبدّل فيه ملابسها فلا يقع العرض في بعض الفراغ طوال ذلك الوقت. ولا تستعيد الممثلة هندامها الجميل الا لتذلّ حبيبها منتقمة منه ومن اذلاله اياها، بانها مقبلة على قتله بالرصاص. أما هو فظنها مصابة ببعض الجنون وصدّق لعبتها وخاف واضطرب وخضع لأوامرها وتلقى الإهانات التي وجهتها اليه. وحين تلمس ذروة غضبها تنقلب الى امرأة ضعيفة وعوض ان تنتقم منه وتطلق عليه الرصاص في لحظة قوتها تقع بين يديه منهكة ومتعبة. إنها القوة التي تستحيل ضعفا بل انه الغضب الذي يتحول الى الرقة، وقد عرفت كارول سماحة ان تعيش الحالتين المتناقضتين بجسدها وصوتها. وبين ذراعيه تأخذ في البكاء بعدما لاطفته ومسّدت شعره وكأنه ابنها... انها اللحظة الاخيرة، لحظة الضعف والحنان، لحظة السقوط من شدة الوهن والحب. وقد نجح المخرج جعلها لحظة طبيعية ومفاجئة عبر ما حملت من عنف هو عنف الحب المتفجر رقة وحنانا. ولا غرابة في ان تكون المسرحية كما شاءها ميشال جبر لعبة ممثلة وممثل. وقد ركز عمله على تلك العلاقة الغامضة التي جمعت بينهما وعلى احاسيسهما وحالاتهما. وفي عمله على الممثلة كشخصية درامية بدا جبر واعيا تحولاتها وممسكا بخيطها الداخلي الذي حبكه بمتانة. ونجحت كارول سماحة كل النجاح في لعب تلك الشخصية وفي اداء حالاتها المتناقضة وفي تفجير تعابيرها فكانت بحق تلك الممثلة المتوترة والمنفعلة والهاذية، ترق وتعنف وتغضب وتضعف وتفرح وتحزن وتضحك وتبكي بنبل من غير ان توقع الشخصية في شرك الميلودراما. ونجحت كذلك في إغناء الشخصية وفي تنويع تعابيرها وانتقلت برهافة وعفوية من حال الى حال ومن موقف الى موقف من غير ان تتعمد الإنتقال ذاك داخل الشخصية نفسها. ولم يخطىء المخرج حين جعلها تطلّ في ما يشبه المشهد المونودرامي الطويل. فخلال هذا المشهد احتلت الخشبة برهبة ورقة واستطاعت ان تفرض حضورها كممثلة بارعة تملك الكثير من تقنيات الأداء والكثير من الأحاسيس الطبيعية والمشاعر والإنفعالات. أما جو قديح الذي ادى شخصية الممثل في النصف الاخير من المسرحية فشاءه المخرج قاسياً بعض القسوة حينا وضعيفا بعض الضعف حينا ( كي لا اقول خائفا)، وافاد المخرج من حضوره شبه الصامت ليجعله الشخص الآخر قبالة الممثلة المتوترة والمنهارة. وكان في مستطاع المخرج ان يختصر النص ولا سيما الجزء الثاني كي ينضبط الايقاع أكثر ويشتد فلا يرتخي مثلما حصل في المرحلة ما قبل الأخيرة. فالنص الروسي الجميل بدا ممتعا في شخصياته ومواقفه وفي لغته وقد ترجمه المخرج نفسه في لغة لبنانية عامية جدا حفلت في بعض الاحيان ببعض الكلمات النابية والنافرة التي كان من الممكن تلافيها. وميشال جبر الذي عرف بخطه الاخراجي الجاد وبادارته المتينة للممثلين يطلّ في هذا العرض اطلالة جميلة ومميزة. ولم يخطىء في اختياره ذاك المسرح الصغير، مسرح الجيب ليقدم عمله القائم على لعبة الممثلين اولا وآخراً. ولعل اتصال الخشبة بالصالة جعل الجمهور ينسى التفاصيل الاخرى كالسينوغرافيا والإضاءة التي لم تتنوع كثيرا فظلّت شبه ثابتة. ولم ينس الجمهور التفاصيل تلك الا ليدخل في علاقة حميمة مع الممثلة والممثل في لعبتهما الجميلة. عبدو وازان (*) تقدّم المسرحية في مسرح الجيب التابع لمسرح مونو، الجامعة اليسوعية، السوديكو، بيروت.